[مراجعات: 14] محمد الماجد: .. ولكنّه كان هجوَ الورى

محمد الماجد

 

وإن بدى السؤال استفزازيّاً وصادماً عند بعضهم، ولكن، ألا يمكن نظريّاً إيجاد علاقة مّا في العمق بين النسخة الأدونيسّية لـــ (الحداثة) وبين (السّلفية)، بين أدونيس وبين ابن القيّم على سبيل المثال، علاقة شبيهة بتلك التي رسمها أدونيس بين (التصوّف) و(السريالية)، إذْ لا أعرف كيف يبرع أدونيس في الدفاع عن علاقة المتنبي بالسلطة، حينما لمزه بيار لمزاً ليّناً، منتقداً قربه من المتنبي مع معرفته التامة بعلاقة هذا الأخير بالسلطة، الأمر الذي يختلف في النتيجة مع نظرة أدونيس للمثقف ودوره، أكرّرُ: كيف يبرع أدونيس في ذلك، ويبالغ في نفي التهمة عن المتنبي قائلاً “هكذا قُدِّمَ”، وكيف أنه أحبّ أن يدعم نفيه ذاك بدليل فاستحضر بيتاً للمتنبي في مدح كافور:
فما كان ذلك مدحاً له
ولكنّه كان هجوَ الورى
و”هجو الورى” هنا، بحسب أدونيس، تعني هجواً للمؤسسات والواقع الاجتماعي، حيث أنهم لم يعينوا الشاعر على سدّ احتياجاته فيعفوه بذلك من طرْق أبواب السلاطين، كان هذا تأويلاً رائعاً دون شك، مع التسليم فيما أعتقد بصعوبة الدفاع عن علاقة المتنبي بالسلطة، ولكنّ المفارقة أثناء الحوار – ونحن هنا مازلنا في بداية الجزء السادس منه – المفارقة وقعت، وبفاصل دقائق فقط من هذا البيت، حين ذكَر أدونيس بيتاً آخر ولكنه هذه المرة للمعرّي:
اثنانُ أهلُ الأرض ذو عقلٍ بلا
دينٍ وآخرُ دَيّنٌ لا عقلَ له
واستخلَص من البيت تعميماً بأن كل الشعراء في التاريخ العربي، باستثناء المتصوّفة، لم يكونوا متديّنين، أو أنهم “بلا دين” كما يمليه عليه بيت “رهين المحبسين” هذا، ولا أدري حقيقة كيف لم يعتذر أدونيس للمعري ويقول أنّ ذلك من “هجوَ الورى” أيضاً، تماماً كما فعل واعتذر للمتنبي، لماذا لم يقل أن المعري كان ناقماً على استخدام المؤسسة للدين كوظيفة، لماذا كان أدونيس (تأويليّاً) هناك و (حرفيّاً) هنا، خاصة وأن القياس المنطقي في البيتين مع وجود علّة موضوعية لا يساعد أدونيس كثيراً، وفي الخلاصة: من الصعب أن نجد فرقاً في مقاربة بيت المعري هذا وشعره اجمالاً بين أدونيس وابن القيّم ، فالأول أخذ معنى البيت بظاهره فحمَل المعرّي على الإلحاد، والثاني حمله وحمل شعر المعري اجمالاً على الزندقة. وكأن ما نتصوره قمّةً أو حداثةً – في بعض الأحيان – ما هو إلاّ هاوية مقلوبة.
أما مناقشة صاحب “أغاني مهيار الدمشقي” في تعميمه وشموليته في الحكم بعدم تديّن الشعراء عدا المتصوّفة منهم، فلا أدري كيف سيستقيم هذا الحكم مع وجود قِناعُه مهيار الديلمي، الفارسي الذي تحوّل من المجوسية إلى الإسلام، وبالغ في إظهار تديّنه أيّما مبالغة:
قد قبَستُ المجدَ من خير أبٍ
وقبَستُ الدِّينَ من خير نبي
ألن يعدَّ ذلك مثالاً معكوساً ؟، ثمّ ماذا سيقول عن استاذ مهيار: الشريف الرضي، ماذا سيقول عن وقوف أبي فراس الملحمي عند أسوار بغداد صارخاً في العباسيين: “الدّين مخترمٌ ..”، ماذا سيقول عن الكميت، وعن حسان بن ثابت، عن تضرّعات السّياب:
تمرّستُ بالآثام حتى تهدّمت
ضلوعي، وحتى جنتي ليس تثمرُ
وعن طابور طويل من الشعراء الذين يقفون في الانتظار ولا يسعني ذكرهم لضيق الخناق.
وفي رأيي إذا كان من شاعر يمكن أن يمثّل حال الشعراء مع الدّين فهو صديق أدونيس، بدويّ الجبل، وبيته الشهير:
بَعُد الفرق بين روحي وجسمي
جسدي آثمٌ وروحي بتولُ
لا يبدو هذا تبسيطاً للنقاش على كل حال، ولا هجاءً لأدونيس بالتأكيد، ليس بعد كل هذه العلاقة المتينة، بقدر ما كان ذلك تشكيكاً مني بأن ثمّة معايير مزدوجة في مقاربة أدونيس لبعض النصوص، أو لأقل انحيازاً منه لمنهجه الصارم، وأسسه النظرية القائمة على القطيعة مع الدين، انحيازاً يحمله في كثير من الأحيان للانتصار لــــ (الثابت) في الحداثة على (المتحوّل)!!.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com