[مراجعات: 13] محمد الماجد: الأميرُ أدونيس زيجاتٌ عابرة، وأبناءٌ مصابون بالعدوى

محمد الماجد

أكثرُ من زواج في حياة أدونيس
أكثرُ من امرأة
أميرٌ بارعٌ في بناء العلاقات!
أوّلى تلك العلاقات كانت نتيجة لوعيه المبكّر بضرورة إعادة ترتيب بيته الشعري الخاص، وفق نظرة تشمل فيما تشمل التاريخ والسياسة والاجتماع، مروراً بالفلسفة والتصوّف، وكلِّ مُهْمَلٍ ومنسيٍّ في التراث والثقافة، فكّر طويلاً فوجد أن كل هذا المحتوى الضخم لا بد له من إطار فكان الزواج الأوّل الذي نجح في عقده دون صخب، بين شعره بوصفه مجازا لكل تلك الحقول من المعرفة، وبين نثره، من مقالات، ودراسات، وكتب نقدية، وحوارات، بوصفها ترجمةً و(إيضاحاً) لذلك الشِعر.
أراد أن يحمل التاريخ العربي على متون شعرية ذات أنساق تبدو للوهلة الأولى إمّا متجاورة أو متنافرة، ولكن كل ذلك لم يكن مهمّاً، المهم أنها يجب أن تتّسم بالفرادة، وأن تكون غير مسبوقة، لا من حيث الشكل، ولا من حيث المضمون، الأمر الذي يبدو أنه أنجزه وببراعة عالية، ولكنه وجد أيضاً أنه إذا ترك تلك المتون دون شرح أو تفسير فإن الكثيرين سوف يسيئون فهمها، لذلك ذهب إلى أن ديوانه الحقيقي لا بد وأن يحتوي المتون والشروح في ذات الوقت.
“لكي أُفْهَم شِعريّاً، أعتقد يجب أن يُقرأ كل ما كتبته نثراً”، وللتبسيط: هل يمكن أن نذهب للمتنبي دون أن يكون شارحه (ابن جنّي) معنا، دون أن يكون (الجرجاني) حاضراً لـــ (الوساطة) بينه وبين خصومه، وكأن أدونيس أراد أن يجمع المتنبي وابن جنّي والجرجاني بين دفّتي كتاب، ولكنه من شعره هو، ومن شرحه هو، هو مصدر الفيض وواسطة الفيض في آن واحد، وهذا ما ليس يشبهه أثرٌ، حديثاً كان ذلك الأثر أم قديماً.
أمّا ثانية تلك العلاقات فكانت نتيجة اشتغاله المضني في مجلّة “شِعر”، اشتغال نتجت عنه قناعة بأن زواجاً مّا، من الممكن عقده بين (تصوّف) الحلاج، و(سورياليّة) أندريه بريتون!. فالماهيّة جمعت بينهما وإن كانتا مختلفتَين في تفسير مصدر تلك الماهية.
وحتى إنْ بدا ذلك الزواج (مثليّاً) و(شاذّاً) في التصور العام، إلا أن أدونيس أفلح في حشد الأدلّة، وفي جمع الشروط اللازمة لإمضاء صحّته، ومن ثمَّ اعتماده لاحقاً كمرجع مهم لأي دارس أو باحث في حقلَي التصوّف والسورياليّة.
كتابه “الصوفيّة والسورياليّة” كان نتيجة لذلك الزواج.
هناك زيجات أخرى يمكن الحديث عنها أيضاً، وعن علاقات أخرى كثيرة لم يتركها أدونيس دون أبناء يحملون عدواها إلى أجيالهم والأجيال اللاحقة.
وإذا كان السيّاب هو أكثر من استخدمَ (المثنى) في شعره، فأدونيس أكثر من استخدم ذات (المثنى)، ولكن هذه المرة بشكل أعمق، وعلى مستوى الموضوعات، الأمر الذي انتهى به إلى بناء علاقات جديدة وعابرة، إذا لم أقل هادمة، لمفاهيم سائدة تتعلق بثنائيّات مثل: التراث/الحداثة، المرأة/الحياة، الأنا/الآخر، وغيرها الكثير، معيداً من خلالها كتابة التاريخ العربي شعراً، وهذه المرة بعيداً عن السلطة، وبإملاء من روح عظيمة وثائرة، هي روح الشِّعر.
وأخيراً، لا أريد أن أنهي الكتابة دون أن أذكر السبب الذي جعلني أسِم أدونيس بـــــ (الأمير) في عنوان المقالة، ففي مقدمة هذا الجزء السادس من الوثائقي، ذكر أدونيس قصة الخليفة عبد الملك بن مروان مع جرير، والفرزدق، والأخطل، ثم ذكر بيتَين للأخطل ألقاهما في حضرة الخليفة:
نديمي إذا ما علّني ثم علّني/ثلاثَ زجاجاتِ لهنَّ هديرُ
خرجتُ أجرُّ الذّيلَ تِيها كأنني/عليكَ أميرَ المؤمنين أميرُ
وهنا سأدعو أدونيس ليكمل القصّة “أنا أشبّه نفسي، أنني في هذا القصر العظيم، قصر الثقافة العربية، أُشبهُ الأخطل، لي عالمي الخاص ..”.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com