[مراجعات: 12] محمد الماجد: كواليس، أغاني، تصوّف

محمد الماجد

لم يفت الأوان بعد للتنويه باللوحات الغنائية الرائعة لعابد عازريه، لم يفت الأوان للقول بأنها ظلّت تنتظر في كواليس البرنامج طيلة الوقت متحيّنةً الفرصة للدخول وبذل جسدها لكل عاشق، مخلوقات موسيقية، أرواحها أرواح موسيقى، أدَمُها أدَمُ موسيقى، ومنذ ولادتها وهي منذورة لبهاء المطلق، منذ ولادتها وهي تعاني من بحّة في الصوت ومن تصوّف يسبِل من أكمامها،كائنات حزينة على الدوام، قلقة على الدوام، عاشقة على الدوام، سحنتها السومريّة وثيابها المنسوجة من أذكار بيضاء وصلوات، نالت مرّةً من قلب فتى قصابين، عشقها الفتى، عشقته، وضع عليها من كلامه، ثم غاب عنها لشهور، فأكلتها الوساوس، كَبُر بطنها، فلم يسع أحدٌ من الناس، حتى أولئك المؤمنون مدّعوا الفضيلة، إلا أن يسِمَها بالغواية، ومع كل ذلك العذاب، كانت تسمعه يغنّي لها من بعيد:
حاضناً سنبلةَ الوقتِ
ورأسي برجُ نار
ما الدّمُ الضاربُ في الرمل، وما هذا الأفولُ
قل لنا يا لهبَ الحاضر، ماذا سنقولُ
كانت على شفا الاعتراف، كان على شفا الاعتراف، هي من سنابل، وهو من نار، هي في طريقها ثانيةً إلى الكواليس في انتظار نوبة أخرى، وغواية أخرى، وفتى قصابين أدونيس في طريقه للحديث هذه المرة عن الصباح الذي سبق مواسم الهجرة، عن حاضنته البِكر: البيئة العلوية.
بدى المسيحي الطيّب بيار متردّداً في سؤال أدونيس حول تلك الحاضنة الجبلية المعمّرة، كل ذلك بسبب غبار الطائفية الذي يملأ سماء المنطقة، ولكنّ أدونيس – الذي نادراً ما يتصرف كإطفائي – نجح هذه المرة في إطفاء خجَل بيار بكلمات رطبة من شفتيه الرطبتين، وذهب مباشرة إلى الحديث عن التشويه وسوء الفهم الذي ألحقته السياسة بالطائفة العلوية، مفضّلاً الدخول للحديث عنها من بابين: الأول يتصل بـــــ (المعرفة)، والثاني بـــــ (الهوية)، ولا يخفى أن كلاهما – عموديّاً – يفضي إلى الآخر، حيث الهوية فرعٌ عن المعرفة. في الباب الأول سنجد أن مفهوم (الوجود) عند العلويين ينقسم – بناءً على الاقتراح الأرسطي الذي استعاروه – إلى معنى يتمثل في الخالق، وصُوَر لا نهائية، هي تجليّات لذلك الخالق. وكلّ صورة منها هي طريق إلى معرفة المعنى، دون أن يعني ذلك استنفاذ الصورة للمعنى، حيث هو الأزل بلا أزليّة قبله والأبدُ بلا أبدية بعده، ولا يمكن لأيّ صورة أن تحدّه أو تحتويه.
هل بدى أدونيس هنا محاضراً في “الحكمة المتعالية”، كان ملّا صدرا الشيرازي فيما أظنُّ قريباً منه، وكان ابن عربي قريباً منه أيضاً، ولكنه قفز عنهما وعن نظرية “وحدة الوجود” إلى أرسطو مباشرةً، ثم إلى ابن رشد تالياً حين تحدث- باقتراح من بيار – عن مدى شبه العلويين بالمتصوّفة، الحديث الذي أكد فيه أدونيس حدس محاوره، وأفضى به للكلام حول (الهويّة) وعلاقتها المشيمية بالعقل وبالآخر.
وما دام الآخر هو الذات بينما هي تنظر إلى نفسها من خلال المرآة، وما دام الحوار دافئاً إلى الحد الذي أصبح فيه أدونيس قريباً من ضفاف الفردوس لكثرة ما تحدّث مع المتصوّفة وعنهم، فلن أجد أجمل من أبيات (الشيخ الأكبر) لجلاء صورة العلويين والفردوس معاً:
لقد صار قلبي قابلاً كلَّ صورة/فمرعى لغزلانٍ ودَيْرٌ لرُهبانِ
وبيتٌ لأوثانٍ وكعبتُ طائف/وألواح توراة ومصحف قرآنِ
أدين بدين الحبّ أنّا توجّهت/ركائبه فالحب ديني وإيماني
لنا أُسوةٌ في بِشْر هنْد وأختها/وقيس وليلى ثم ميٍّ وغيلانِ

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com