[قراءة أولى] أربعة ملامح في مجموعة “نافدةٌ تُطلُّ على العرش” شعر أحمد الرويعي

علي مكي الشيخ

متشربًا برغوة الصمت، مُدَّهنًا بصحراء فراغ الكتمان، متسللاً مِنْ ثقب خياله وجودًا بَصَرَ يًا.. متدليًا داخل خارجه، مصلوبًا على خشب التأويل.

بِعُوْدِ ثقابِ المجاز يَشُبُّ أطرافَ القصيدة –

يعتذر عن خطأ لم تقترفهُ القريحةُ، ليغمسَ آدميَّتَهُ بغفران قميص الغيب – الوجودي.. يلمحُ ظِلَّلهُ غافيًا على مرايا السَّماءِ، يطحن الصمت في شرود الوهم، نافرًا من وعيه لحظة الكتابة.

يقول سلطان اليباب:

” القصيدةُ الجوفاء هي تلك التي تكتبُ بوعي تامٍ..”

يُسرِّحُ شَعَرَ الظلِّ. . ويهندمُ هيأة المجاز على خِصْرِ غيبٍ يستفزُّ بقايا ما –

تناثر من رذاذ التأويل..

على جدار الصمت يغسلُ المعنى ويرسم وردة تنمو على ماءِ الذكرى –

يرى اللاوعي من قضبان أفكاره، كما يشاهدُ الأسرار تخرج من نقوش

الخاتم العرشي.

قميصُ ظِلِهِ مُرَقَّعٌ بالسَّنا، وموجةُ ضوئِهِ ممهورةٌ بألوهية المعنى لكي

تقرأ الرويعي.. عبر..نافذته التي تُطلُّ على العرش لا بدَّ أن تستحضر

قول الخليل بن أحمد الفراهيدي:

” الشعراءُ أمراءُ الكلام يصرفونه أنَّى شاؤوا..ويجوز لهم ما لا يجوز

لغيرهم مَنْ إطلاق المعنى وتقييده، ومِنْ تصريف اللفظ وتعقيدهِ، وَمَدِّ

المقصور وقصر الممدود، والجمع بين لغاته والتفريق بين صفاته،

واستخراج ما كلَّتِ الألسنُ عن وَصفِهِ ونعته والأذهانُ عن فهمه وإيضاحه،

فيقربون البعيد ويبعدون القريب، ويُحْتَجُّ عليهم..”

الرويعي.. صوتٌ شعريٌ مسكونٌ بهاجس التجديد.. يرتدي صهيل التمرد

أحيانًا..يخلق للقصيدة غربةً تشي بمسافةٍ عرفانية يُؤجِّلُ إيقاعه بالمحو

..يتناسلُ مِنْ رَحِم المرايا.. حاملًا في حقائبه قيامةَ ” الأنا ” صانعًا منها

درسًا مرآو يًا..

ومحاولًا لتحويل التجربة الذاتية إلى تجربة ” القارئ اللا زمني “

يقول بسام صالح مهدي:

” القارئ اللازمني ” أي الذي يؤثرُ فيه النص مهما كان زَمَنُ نشأته قديمًا

أو معاصرًا، إنَّ هذا القارئ لا ينتمي لحدثٍ زمنيٍّ في تاريخ قومه وتاريخ

ثقافته، وهو لا يتعصرن لأيديولوجيةٍ ضِدَّ أُخرى، فكلُّ الايديولوجيات

بحكم طبيعتها زمنية المنشأ والمزاولة والصراع، وهو ليس قارئًا فردًا إذ

أنه في داخل كلِّ الأنواع الأخرى من القراء لكنَّهُ في محبس طبقيةٍ المتلقي

وانتماءاته المتعددة ” ص 6 حركة قصيدة الشعر.

إطلالةٌ على النافذة:

تجربةٌ ملأى بالتفاصيل.. والتقنيات الحديثة، والمضامين الرؤيوية، لا يسع هذه القراءة السريعة إلا الوقوف على بعض أطراف جرار الدهشة المغلفة بِحُقَنْ الإعجاز ولعل مندوحة كلامي يفسرها وتحكيها حكمة النِّفري: ” كلما اتَّسعت الرؤيةُ ضاقت العبارة >”

إذن لأقف على لقطات متنوعة وسريعة لأضع مفاتيح وعتبات لتناول قراءة هذه التجربة الرائعة وكما قلت فإن الديوان ولغته واشتغاله جاءَ مكتنزًا بالكثير من الكشف والمنجز الراقي مِنْ الأنسنةِ والانزياح والابتكار والدهشة والتأويل والتناهى والفرادة والأساليب البلاغية بالصور المراوغة

والرشيقة.

1- الملمح الأول

العنوان والنسق الرؤيوي يشير عادل ضرغام قائلاً:

العنوان أصبح ” جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية الكتابة لدى الناص، لاصطيادِ القارئ وإشراكِهِ في لعبة القراءة لدى المتلقي، في محاولة فهم النص وتفسيرهِ وتأويلهِ.

” } في تحليل النص الشعري ص 12نلحظ العنوان هنا للمجموعة جاءَ كاشفًا للمنحى الأنطلوجي / الفكري، عند الرويعي لافتًا قارئه بالمغايرة عمَّا كان يتناوله من عناوين سابقه، ويدخل في بداية العنوان بشيءٍ متوقع وسرعان ما يباغته بالاختلاف =نافذة تطل على = العرش.

إذن الشاعر من أول عتبةٍ حمل قارئه على توجيه بوصلة التلقي باتجاه السماء والتجريد.. كما حفل الديوان بمجموعة عناوين تتناسق وهذا العنوان مثلاً:

ما تساقط من جناح الوحي.. ثقبٌ آخرٌ في حجاب التأويل –

حين لمستُ العرش.. علة العرش خطة الإيجاد. – –

قل هو العرش الأحد ما تُركَ في عالم الذر مرآة على جدار الغيب

فالعناوين جاءت بصورتها المختلفة لتعطي القارئ جرعةً استباقية في

كيفية التعامل مع نصوصه بالداخل..

2 – الملمح الثاني: ابتكار الصورة:

التجربة الرويعية تتكئ على خلق الصورة المبتكرة والتي تخلقُ بيئة إيجابية غير مسبوقةٍ مما يجعلها في توالدية مستمرةٍ، وابتكار الصورة يأتي بعناصر عدة منها المفاجأة والدهشة، والإيحاءُ المكثفُ للغة، وكسر أفق التوقع لدى المتلقي.. ومن جميل صوره الخلاقة:

أ-  في جيبه ثقبٌ.. يهربُ للسنين الصبر.. لوبات الحضورُ غيابه –

ب-  والصبح في رحم المشيئة لم يزل طفلاً.. تحاول أمه إنجابه –

ج – وأنا هناك فراشةٌ قد لونت.. من فرط ما بلع المكانُ لعابه. –

د-  حافٍ يمرُّ وكان الدهرُ يزحفُ في.. خشوعه، فاشتهاه السبطُ –

وانتعله.

3 – الملمح الثالث: التمرد أو اقتحام المنطقة العميقة:

يقول الشاعر محمد الفوز في ديوانه ” ليل القرامطة “: ) هكذا مناخات الشعر تشبع الكلمات بعوالم أسطورية تتحايل على الخيال لإنجاز لغةٍ عابرةٍ للغة وشعرٍ موغلٍ في الشاعرية، ودهشةٍ لا تختمرُ سوى الدهشة، فالنص بلا وطن وبلا هوية وبلا أيديلوجيا النص لا شيءَ . لأنه كلُّ شيء..( ص 6.

هو هكذا الرويعي يقتحم مجاهيل الرؤية والمجهول متمردًا على صنمية

الفكر ومتحررً ا من سلطة الماضوية الشعرية.. فتراه يتطرقُ لقضايا لم يقف عندها الشعراءُ السابقون ولا مَنْ عاصرهم.

الشاعر:

أ – يقول في نصه ) رحلة مِنَ الكاف للنون ):

    مَنْ أنت للناسِ ربٌ أم تُرى ملَكُ؟    أم أنت ذاتُ الذي مِنْ ذاته صُعقوا؟!

ب-  ويقول في نص ) عله العرش: (

    كان ماءً يرطِّبُ العرشَ حتى     صارعرشُ الإله في ال سرِّ ماءَ

ج-  ويقول في نص ) خطة الإيجاد ):

    هو لم يمت بالسُّمِّ مات بنظرةٍ     أخرى تَسُمُّ عباءة الحوراءِ

د-  أما في نصه ) قل هو العرش الأحد ( فيقول:

   هو القصيدةُ حيثُ الله في صفةٍ     حمراءَ للعرشِ مِنْ بطنانه ارتَجَلَهْ

4 – الملمح الرابع: التماس مع نظرية النص المفتوح:

يعتبر ” امبرتو إيكو ” صاحب الفضل في إشاعة مصطلح ” انفتاح النص

وانغلاقه “، كما يطلق النص المفتوح على النصوص التي لا تكون لها نهاية محددة أو التي تجعل القارئ منفتحًا على آفاق مختلفة من الثقافات لأنها نصوص معبأ بالشيفرات التي يقوم القارئ بفكها مِنْ تأويليه ودلالية ورمزية..

ومن هنا نتلمس هاجس الشاعر هنا في تجربته العرشية حيث أراد لنصوصه أنْ تكون كونية الرؤى.. لذلك نلحظ في مواضع عدة يشير إلى علاقته بالنص وبعشقه وبحثه الدائم عن صيرورة الأبد برغوة البقاء واللاتوقف.. يقول:

– أخشى التصوف في معناك أخيلتي عقلي و”حلاج” جهلي غاله الفرقُ.

– وعيي خيالي.. دماءُ القلب معتقدي…وأنت بينهما تمشي فألتحقُ .

– وأنا وأطراف القصيدة والمجاز..نشبُّ في حلك الوجود ثقابَهْ.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com