[مراجعات: 10] محمد الماجد: الوجهُ الآخر للأوقيانوس

محمد الماجد

مكتبة انطوان، الأفلام، مجلة شعر، هكذا اختصر عابد عازريه المشهد البيروتي في الستينات بالنسبة لمثقف شاب مهموم بالثقافة مثله. هذه هي الصفحة الأخيرة من الجزء الرابع من “هذا هو اسمي” ويبدو عازريه في ذيلها مثل طغراء مصبوبة بماء التصوّف، شِق أدونيس أو الوجه الآخر للأوقيانوس، مَن حمل موسيقاه مثل إزميلٍ ينحت بها وجوه وأكتاف من الكتابة  تكاد تكون عصيّة على النحت.

لا أعني “يا نسيم الريح” بالطبع، ولكني أعني على سبيل المثال نصوص كنص “خطبة البيان” للإمام علي و”أنا شعوب من العشاق” لإنسي الحاج وأغلب النصوص التي أدّاها لأدونيس. مداخلة عازريه مهمةٌ في هذا الوقت خاصة وأنه كان يعرف أدونيس منذ 1968 م، عرفه وأحبه ثم حاول أن يترجمه عبر أعمال موسيقية بقيت محفوظة في أدراج النُّخَب اللذين لم يصروا كثيراً على وضع الأقفال عليها لأنهم يعرفون أن القليل القليل من سيجرؤ على فتحها، وإن حدث وفعلها أحدُهم فإن دبابيراً من الأسرار ستكون في انتظاره.

يذكر عازريه أنه أحب أدونيس لأنه من أصحاب المشاريع، ويشترك معه في هذا التوصيف ألبير ديشي  الكاتب والمدير الأدبي لـــ “معهد ذاكرة النشر المعاصر” المعروف اختصاراً بـــ (IMEC)، المعهد الذي قام على مبدأ حَجَري عريق يكاد يكون راسخاً في الثقافة الأوروبية بشكل خاص، طوره ميشيل ليحوي بين جدرانه أرشيفاً شاملاً لكلِّ ما يتعلق بالكتّاب والشعراء والفنانين من تركة حيّة: صور، مقالات، مخطوطات، خربشات نائمة، أضابير مدفونة، اصدارات، مغامرات، خرائط ومشاريع لم تكتمل، وهو في نسخته المبتكرة هذه يبدو وكأنه قصر من الأشباح، تقيم فيه أرواح ربما اختلفت أو تشاكلت يوماً مّا.

لا يهم، المهم أنها الان تنعم بالحياة في هذا البرزخ الباريسي الجميل، تنام في أسرّة وغرف متجاورة ولا يمكن لأحدها إلا أن يبوح بأسراره للآخر، فمبنى المعهد القائم على الطراز الكلاسيكي بقفطاناته الحجرية وبطائنه المزخرفة لا يشجع على أي اختلاف من الممكن أن يُخِل بميزانه المعماري القائم على السكينة والتماثل المطلق. أروقة المبنى لا تخلو من المفارقات والصّدَف التي من الممكن أن تحدث بين سكانه، هذا يحدث وبشكل يومي إما على أنقاض معرفة اندثرت أو لبناء جسور جديدة بين متخاصِمين، فقط “إيميك” باستطاعته أن يفعل ذلك حتى ولو بعد برهة غير يسيرة من الانقطاع أو القطيعة بين المثقفين “هكذا يلتقي أدونيس بأرشيف جورج شحادة، والأول هو عرّاب الثاني كما هو معروف، لدينا أيضاً فينوس خوري غاتا التي ترجمت أعمال أدونيس إلى الفرنسية، إن عالم الأرشيف كلعبة (بازل) تتكامل أجزاؤها، كل قطعة تشهد على حقبة معينة” يقول ألبير ديشي.

أرشيف أدونيس كان أوّل ممثّل للغة العربية يصل إلى هذا المبنى، تبعه ممثلون وسكّان آخرون مازالوا غير كافين لملأ جناح اللغة العربية. شعور بالمرارة انتابني وأنا أستعرض كلام ألبير ديشي، لا أدري لماذا قفز سليم بركات فجأة إلى ذهني، سليم الذي فقد حقيبته في البحر المتوسط، كيف لم يسقط قلبه معها، حقيبة كانت تحوي كل أرشيفه الشخصي من صور ومقالات بالإضافة إلى أحد مخطوطاته الأشهر (كتاب الحيوان)، أتذكر قلب سليم المفطور وأتذكر آخرين لأسأل: كم من كتابنا المبدعين على امتداد الوطن العربي ذهبت أرشيفاتهم الزرقاء ومحابرهم أدراج الرياح، إنها الخسارة الأفدح بين كل الخسارات المتصوّرة.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com