بعد 6 سنوات من رحيله.. ما هو مصير متحف معتوق تريك..؟! سقى أصدقاءه شاي "السّماور" 30 سنة.. ولم يشرب منه

القطيف: صُبرة

في مثل هذا الأسبوع من عام 2014؛ ودّعت بلدة القديح معتوق تريك. وفي الأسبوع نفسه نشرت صحيفة “الشرق” تقريراً موجزاً عن رحيله وتساءلت عن مصير متحفه. وبعد 6 سنوات من وفاته؛ لم يعد مجلسه مجلسه، ولا متحفه متحفه.. ودوام الحال من المُحال..!

الأمير…!

على سبيل الدعابة؛ كان جُلساؤه يصفونه بـ “الأمير”. ولهذا الوصف قصة متصلة بكونه موظفاً في إمارة المنطقة الشرقية طيلة سنوات عمله الحكومي. قبل تقاعده كان في إدارة “حقوق السجناء”. عمله في الإمارة انعكس على طريقة لبسه وهندامه. يرتدي “الشماغ” الأحمر، ولا يعرف ارتداء “الغطرة البيضاء”. حافظ على “السكسوكة” السعودية وأناقتها وحدودها. أما نمط حياته الاجتماعيّ فهو دائرٌ حول “مجلسه” المعروف في القطيف كلها..!

مجلس عصريٌّ، سيّدُهُ شاي “السماور” والبخور والعود. وضيوفه هم أصدقاؤه، ورجال “البلد” في القديح، ومشايخ ومثقفون، وهواة خواتم ومسابح، وزملاء وآخرون..! والأهم من ذلك كله؛ هو هوايته المفضلة، في جمع التحف والآثار والمسابح والخواتم الثمينة. ناهيك عن الصور العتيقة.

ضيوف وأصدقاء

عصر كل يوم؛ كان أصدقاؤه يتقرفصون في المجلس، يحتسون الشاي، يتبادلون “النكات” و “السوالف” العابرة.

مجلسه مفتوح عصر كل يوم، باستثناء الإجازة الأسبوعية “الحكومية”. وخفة ظله علامةُ في مجلسه. ورغم شخصيته الجادة؛ فإن لسانه ينفلتُ بالدعابات إلى حدود القهقهة، ويلذع جلد التجهم الذي قد يمرّ أو يجمد في جلسة من الجلسات…!

حمل مرضه معه على طريقته. كان يصارع السكر والتهاب الكبد الفيروسي، ساعياً إلى علاج. كان من النوع “الهوسي” فيما يخصّ مرضه الأصعب. إلا أنه كان يغلّف “هوسه” وقلقه بتلك الدعابة المعروفة عنه..

شاي السماور

من المؤكد أن هناك فرقاً هائلاً بين ما كان يفعله خدم قيصر روسيا في بداية القرن الثامن عشر؛ وبين كان ما يفعله معتوق تريك في بلدة القديح لأكثر من ثلاثين سنة. وقد انتشرت طريقة إعداد شاي السماور عابرة ثلاثة قرون وثلاث قارّات، لتتحوّل إلى عادة فيها كثير من إحساس الأبّهة والمزاجية العالية التي يتناغم فيها معدّ الشاي وشاربوه في الجلسات الحميمة.

وفي هذه العادة الممتدة من أقصى شرق روسيا حتى وسط أوروبا؛ يتحوّل كلّ كوب صغير إلى أسلوب ضيافة خاص، تختلف مقاديره بحسب مزاج الشارب الذي يعرف أنه سوف يحتسي شاياً حقيقياً، لا يُشبهه الشاي التجاري ذو الأكياس الجاهزة، ولا الشاي الريفي الذي يُغلى حتى يتحوّل إلى ما يُشبه الحبر، ولا أي شاي آخر يُعدّ ليُحتسى كما يُحتسى أي شراب ساخن وانتهى الأمر.

يسقي ولا يشرب

كان معتوق تريك يجمع أصدقائه أمام شايه، ومع أنه كان الوحيد الذي لم يكن يشربه؛ فإنه كان يعتني بكل هذه التفاصيل التي لا تُشببها تفاصيل إعداد الشاي العادي. وجعل من غلاية السماور، نفسها، جزءاً من مقتنياته العتيقة الكثيرة. لذلك وضعها بين مئات من القطع. ومثلما أمضى تريك أكثر من ثلاثين سنة في جمع التحف والصور والمسابح والخواتم والساعات والعملات والمباخر العتيقة؛ أمضى المدة نفسها في اقتناء غلايات السماور وفي استخدامها أيضاً.

جامع التحف هذا حوّل مجلسه الذي لا تصل مساحته إلى عشرين متراً مربعاً إلى متحف. جدرانه لم تعد جدراناً، وزواياه ليست زوايا، حتى سقفه يكاد لا يُسمّى سقفاً. هناك استغلال لكل سنتيمتر في المكان. هنا لوحة، هنا صورة، هنا صف من الفخاريات، هنا تشكيلة من الخوصيات، هنا تتدلى ميداليات إلى جانب مجموعة من السّبَح ومجموعة أخرى من التذكارات.. وهكذا تتهندس الفوضى بترتيب خاص عرف «أبوهاني» كيف يحوّل به مجلساً صغيراً إلى معرض دائم للتراث عبر كل هذه التفاصيل المتداخلة.

مزاج

وصاحب المجلس هو خادم الضيوف. ومُعدّ الشاي هو الساقي. وعلى الرغم من معرفته مزاج كلّ ضيف؛ فإنه لم يكن يشرب الشاي أصلاً. كان يتفنّن في إعداده فقط، ويتلذذ بضيافة أصدقائه والتفكّه بوجودهم. وحين ينشغل؛ يتولّى أيّ منهم مهمة خدمة الضيوف.. إنها البساطة المختلطة بأحاديث يومية لا تتوقف وتخوض في كلّ الشؤون المحكومة بضوابط الودّ. كانت أكواب شاي السماور وفناجين القهوة تدور، وتدور معها المسابح والخواتم والساعات والنكات والذكريات، إلى أن يُعلن أذان المسجد القريب نهاية النهار.

كل ذلك كان.. ولم يعد يكون.

تقرير صحيفة “الشرق” عن وفاته قبل 6 سنوات

التقطت الصور التالية في مجلس المرحوم معتوق تريك في أكتوبر  2012. (تصوير: حبيب محمود)

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com