[مراجعات: 5] محمد الماجد: البيان الأهم ..

محمد الماجد

 لا يمكن أن يمر أي قارئ لسيرة أدونيس على ما فعله طلاب الجامعة اللبنانية لاسترداده من حلق القرار الإداري الجائر بفصله كمحاضر في كلية التربية دون أن يقف عليه متأملاً وقوف باحث الآثار على أحفورة نادرة. كان ذلك الحدث فارقاً في رأيي بكل المقاييس لا في ما يختص بتاريخ الجامعة فقط كما ذكر أدونيس بل وفي ما يختص بتاريخ الشعر الحديث أيضاً. وحسناً أن أدونيس تخلّى هذه المرة عن خجله في الكلام حول الأحداث الخاصة في حياته فقام بسرد هذا الحدث بطريقة مشوّقة وتفصيلية. لو جمعنا كل ما قام به أدونيس من تنظير قبل هذا الحدث وما أنجزه أيضا من بعد ذلك وحتى هذا التاريخ فلن نجد تجليّاً له، بالمعنى الفني، أفضل من تلك الأيام الغاضبة، إنه تطبيق عملي لكل ما أراده وحلم به، هذا الامتياز وللمفارقة منحه إياه دون قصد منهم أولئك الدكاترة الغيورون من طريقته في التدريس حين دفعوا إدارة الجامعة لاتخاذ قرار بفصله بحجة أنه لا يملك في جيبه سوى شهادة الماجستير. في الواقع كل ما فعله هؤلاء الأساتذة وهم غير منتبهين لمآلات الأمور أنهم أشعلوا مدرجات الجامعة فأظهروا الثقل الحقيقي لأدونيس ودفعوا مشروعه سنوات للأمام، هذا من جهة، ومن جهة أخرى جعلوه يفكر في التقدم لأخذ درجة الدكتوراه فكانت رسالته الشهيرة (الثابت والمتحول).

وعلى سبيل الطرفة، لا أدري في هذه اللحظة – خاصة وأن أدونيس قد تحدث عن علاقته ببدر شاكر السياب في هذا الجزء الثالث من الوثائقي – لا أدري لماذا عند استعراضه لهذا الحدث الجامعي لم يقم باستعارة شيء من (سِفْر أيوب):

لك الحمد أن الرزايا عطاء / وأن المصيبات بعضُ الكرم

عموماً وفي التراجيديا، كل عناصر المشهد السينمائي بدت تامة وملتحمة في ذلك الحدث الجامعي: الجدران، المتظاهرون، الخلفية الغائمة، لافتات الدخان، المتآمرون، الشاعر الإسبارطي وهو يشعل أعقاب القصائد، الجميلة هيلن، الحرائق التي بدأت في الزحف أولاً. في الواقع لم تكن قصائد، كانت قصيدة واحدة فقط ألقاها أدونيس خصيصاً لهذه المناسبة، قصيدة عنوانها “أول الاجتياح” من كتاب “المطابقات والأوائل”، قصيدة لم تكن تملك وقتاً حتى لتمشيط شعرها:

لا تقولوا جُنِنتُ

جنوني أحلامكم/أتينا

ورسمنا الحقولَ

جسداً يتفتح، كنا نقول

لو نجيء ونغتصب الكون

جئنا

….

في ظني، كانت هذه القصيدة هي البيان الفعلي للحداثة بكل ما حوته من بُنى آيلة وجسور مقلوبة وفتيل وحطب، لم تكن محاضرة يوسف الخال في “الندوة اللبنانية” عن الحداثة الشعرية العربية في العام 1956 لتفعل الفعل ذاته، ولم يكن بيان الحداثة الذي ألقاه أدونيس في العام 1992 م كذلك، ولا كلّ الحوارات والسجالات النخبوية لتنجز ما أنجزه بول شاؤول ورفاقه من طلبة أدونيس عبر بنائهم لذلك الحدث الاستثنائي من عمر الجامعة والحداثة معاً.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com