في العوّامية.. نسينا الماضي.. وربحنا المستقبل

كتب: حبيب محمود

من مجسّم صغيرٍ؛ ظهرت إشارة الحاضر إلى الماضي. إنه مجسّم بئر، يقع في مكانٍ كانت فيه عينٌ جوفيّة اسمها “المَصُونة”، وبلهجتهم المعروفة كان سكان العوامية يسمّونها “المَسْيُونة”. كانت العين تقع داخل السور، أقصى غرب القرية التاريخية. كانت واحدة من 5 عيون داخل العوامية “المسوّرة” وحولها: البليجية، الفتيّة، الخضيرة، الجويهرية.

وقبل سنوات طويلة؛ نضبت العيون، ثم دُفنت لأسباب تخصّ السلامة، حالها مثل حال أغلب عيون القطيف الجوفية. وفي مشروع تطوير وسط العوامية؛ عادت “المَصُونة” رمزاً جديداً، لتُشير إلى التاريخ بطريقة المستقبل.

مجسم بئر، في موقع عين “المَسْيُونة” القديم

تسليم أوليٌّ

هذا الأسبوع بالذات؛ صار مشروع تطوير وسط العوامية تحت دائرة ضوء الإعلام، وعلى نحو مكثّف. ذلك ليس غريباً؛ فقد اقترب المشروع من بداية التسليم الأولي، كما صرّح أمين المنطقة الشرقية المهندس فهد الجبير للصحافيين من الموقع نفسه، صباح اليوم، بحضور الوكيلين المهندس جمال الملحم والمهندس عصام الملا، ورئيس بلدية محافظة القطيف المهندس زياد مغرب، وبعض قيادات أمانة الشرقية والبلدية.

وتحت شمس الصباح؛ قدّم المهندس الجبير ما يُمكن وصفه تقريراً فنياً عاماً عن المشروع. إنه يقوم “على مساحة 180 ألف متر مربع”، قال الجبير. وهذه المساحة كانت تقع فيها مسورة العوامية، وعدد من الأحياء المتاخمة التي نشأت بعد اتساع العوامية. استوعب المشروع أحياء “الشِّملي، الفتيّة، الزَّوَاوْرَهْ، الجويهرية، كربلاْ، الخضيرة، المنيرة”، وأعاد صياغتها بالكامل.

سباق مع الزمن

وصباح اليوم، أيضاً، بدت المساحة المترامية ومبانيها في سباقٍ مع الزمن. المباني تكاملت تقريباً، الأرضيات تُستكمل، التشطيبات تتسارع. العوّامية الجديدة تنهض إلى المستقبل بأسلوب دولة تعرف كيف ترعى مواطنيها، وتعرف كيف تُميّز المواطن الصالح عن الآخر غير الصالح. وتعرف أن سكان العوامية مواطنون أبرياء شرفاء عاشوا محنةً صعبة.

ومثلما تصنع أي دولة ذات سيادة؛ واجهت مشكلة الإرهاب بسلسلة من الإجراءات. أعطت المطلوبين فرصاً لإصلاح أوضاعهم وتسليم أنفسهم، وضمنت لهم التعامل العادل. منهم من أصغى إلى صوت العقل، ومنهم من أصرّ على الاستمرار على طريقته التي ألحقت الأذى بالناس وبالوطن.

معضلة معقدة

كانت مسوّرة العوامية معضلةً معقدة. إنها مملوكة للناس، ويعيش فيها مواطنون، ومقيمون. والإرهابيون يتحصّنون بها.

وبأفضل ما يُمكن أن تصنعه دولة قادرة على وسائل كثيرة؛ جاء الخيار الأقلّ ضرراً، بل الأكثر سلامة. احترمت ملكية الناس وعوّضتهم عنها بسخاء. ثم أشعرتهم بالإخلاء، قبل أن تتدخل أمنياً، وتواجه المسلحين في صيفٍ انتهى ببسط إرادة الدولة، وهذا هو الطبيعي.

منتصرٌ نبيل

خرج الوطن منتصراً على الإرهاب والتخريب والتسلُّح غير المسؤول. لكنّ نصره الذي أراده لم ينحصر في القضاء على بؤرة إرهاب. بل هو ما يفعله المنتصر النبيل. ولم تكد تبرد بنادق رجال الأمن؛ حتى جاء مشروع تطوير وسط العوامية ليصافح المواطنين فيها بواحدٍ من أهمّ معالم التنمية في المنطقة الشرقية.

إذا كانت العوامية القديمة مبانيَ متهالكة؛ وتاريخاً يرمز إلى مئات السنين الضاربة في العمق؛ فإن العوامية الجديدة قصةُ مستقبلٍ من حقّ الأجيال أن يعيشوه في سلامٍ وأمنٍ ورفاه.

وصبيحة 13 فبراير من العام الماضي، وعند ضع حجر أساس المشروع، بدا أمير المنطقة الشرقية الأمير سعود بن نايف مستقبلياً في إجاباته عن أسئلة الصحافيين، تحدّث عن مستقبل المكان والمواطنين، لا الماضي المتداخل مع الإرهاب.. كان ردّه رسالة واضحة؛ رسالة تُشير إلى أن المواطنين يستحقون مستقبلاً يليق بهم، ويليق بالدولة.

فاضل النمر، رئيس مجلس إدارة نادي السلام، كان حاضراً الموقف، وأكّد إشادته به، في حديث هاتفي لـ “صُبرة” اليوم.

ومنذ الـ 13 من فبراير حتى اليوم؛ مضت 10 أشهر و 8 أيام، والمشروع وشيك الانتهاء قبل موعده الرسمي المحدد بسنة، على الأقلّ فيما شاهده الناس صباح اليوم.

تحدّيات

لكنّ الإنجاز لم يتمّ دون مواجهة تحدّيات متنوّعة. عبدالحكيم العمار رئيس مجلس إدارة غرفة الشرقية وصف لـ “صُبرة” قائمة الصعوبات التي واجهتها شركته، اليمامة، منذ وضع حجر الأساس. فهناك ـ أولاً ـ إزالة أنقاض المباني من الموقع، ورفعها إلى خارج البلدة، ثم تأسيس المشروع، وتنفيذه، ومتابعته، في دورة عمل متواصلة على مدار الساعة. يدور العمل في موقع وسط بلدة، آليات ومعدّات وحافلات وعمّال ومهندسون، ورمال وغبار، وشركات، وخليطٌ من عمل مستمر في مساحة 180 ألف متر مربع.

المواطنون شركاء

هناك تحدٍّ آخر لا يقلُّ تعقيداً. الدولة لا تريد مبانيَ وساحات كيفما اتّفق. بل تريدُ معلماً يُشارك الناس أنفسهم في صياغته، ويمسّ تاريخهم وتراثهم وثقافتهم أيضاً. لذلك أشركتهم بشكل مباشر. المهندس زكي العمران، مدير عام الدراسات والتصاميم في أمانة المنطقة الشرقية، هو مدير المشروع. وقال لـ “صُبرة” إن الأمانة عقدت ورش عمل متعددة، أشركت فيه شخصيات من داخل العوامية، ليشرحوا للمهندسين والفنيين الخطوط العريضة التي كانت “المسوّرة” تتكوّن منها. كما أجروا مشاورات ـ في ورش عمل أيضاً ـ مع المجلس البلدي وخبراء معمار من القطيف، لوضع أطر عامة لتصميم مكوّنات المشروع”.

تنفيذ

وعلى هذه الشراكة؛ ظهر مخطط المشروع وتصاميمه.. ثم جاء دور التنفيذ، لتظهر معالم القرية القديمة في رؤية حديثة.. وهكذا؛ تستقبل عين “المسْيونة” القادمين إلى المشروع من جهة الغرب، وتتوزّع المحلات التجارية في جنبات المكان، وينتصب مركز ثقافي بمسرحه ومبانيه، وتتوزّع الساحات والأبراج الخمسة..!

وتأتي عوّامية جديدة من التاريخ إلى المستقبل، ويُصبح مشروع وسط العوامية منظومة ثقافية، تراثية، تجارية، ترفيهية، سياحية، في آنٍ واحد. وتتحوّل العوامية ـ كما أشار أمين الشرقية اليوم ـ إلى وجهة سياحية لمحافظة القطيف برمّتها، وليس للعوامية وحدها.

ومع هذا الصرح تولّدت فكرة مشروع مشابه ما زال قيد الدراسة، طبقاً لإجابة المهندس الجبير عن سؤال لصالح عمير الذي سأل “هل هناك مشروع رقم 2” في القطيف على هذه الطريقة.

استثمار

لكنّ هذا ليس كلّ شيء، هناك الرؤية الاستثمارية التي طرحتها الأمانة ممثلة في بلدية المحافظة. بعض الأنشطة سوف تستوعبها محلات المشروع، والأولوية ـ حسب الجبير ـ لذوي الأنشطة السابقين في العوامية، خاصة الذين كانت لهم محلات في الموقع قبل تنفيذ المشروع.

و “هناك آلية لتأجير المحلات متبعة في البلديات”، حسب إجابة الأمين الجبير عن سؤال للزميل محمد التركي من صحيفة “زاوية 55”.

وما بدا اليوم مبانيَ ومحلات يوشك أن ينتهي تشطيبها؛ سيكون ـ عمّا قريب ـ حياةً نابضة بالأنشطة.. عائلات وأفراد يحضرون فعّاليات ثقافية وتراثية واجتماعية.. باعة يقدمون سلعهم، أطفال وأمّهات يتنزهون.. الناس يريدون المستقبل، وهذا قد جاءهم المستقبل.

 

اقرأ قصة صحفية سابقة

عوّامية جديدة في 364 يوماً

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com