نضال عوّاد.. دمعة فلسطينية في عمّان.. ترقرقت في صفوى مديرة أول مدرسة للبنات.. أول معلمة محو أمية.. صنعت أجيالاً ورحلت بصمت

صفوى: أمل سعيد

في سن الثامنة عشرة؛ جاءت إلى صفوى، حين كانت صفوى قريةً غافية إلى جانب البحر، ومتشحة بألوان النخيل والشجر. كانت شابّة يانعة. وفي ذلك السنّ المبكّر جداً، نبت بينها وبين فتيات القرية؛ ما ينبتُ بين القلب والقلب، بين فصول أول مدرسة بنات في صفوى.

عاشت في القرية التي تحوّلت إلى بلدة، ثم تحوّلت إلى مدينة، ومع هذه التحوّلات كبرت الفتيات الصغيرات. بعضهنّ صرن أمّهات، بعضهنَ معلمات، بعضهنّ طبيبات.

ثم رحلت تلك الفلسطينية الناعمة عن المدينة إلى مدينة تبوك، شمال المملكة. وبعد إكمالها 40 سنة في التعليم، غادرت المملكة، واستقرّت حياتها في العاصمة الأردنية عمّان. وهذا الأسبوع، تناقل مجتمع صفوى نبأ وفاتها الحزين.. كأنّ الدمعة التي سالت في عمّان قد ترقرقت أيضاً في صفوى..

أبلا نضال

إنها نضال عوّاد.. أبلا نضال، كما عرفتها طالبات المدرسة.. وحين دخلت صفوى أول مرة؛ كانت الفتيات للتو يتدربن على لبس مريول المدرسة، ويخطين خطواتهن الأولى في سوح العلم والمعرفة، فكانت نضال عواد أو أبله نضال كما ينادينها طالباتها، تقف في استقبالهن كل صباح ليبقى ذلك الوجه مرسوما في ذاكرتهن عقوداً طويلة.

 

أدارت أبلا نضال أول مدرسة فتحت أبوابها للبنات، مدرسة حسين بن صالح، مجلس آل إبراهيم حالياً، ثم انتقلت مع طالباتها إلى المدرسة التي بنتها أرامكو في ستينيات القرن الماضي، المدرسة الابتدائية الأولى للبنات، أو كما عُرفت حينها “مدرسة أم كلثوم”.

زاوجت أبلا نضال بين صرامة وحزم شابة قطعت مئات الكيلومترات لتدير مدرسة أوائل من أمسكن بالقلم، وتعرفن إلى الطباشير من جهة، وحنان وطيبة فاضت على من تحت رعايتها فأسرت “أم حسام” قلوب الأمهات فضلا عن قلوب بناتهن، من جهة أخرى

 نضال الصفوانية

لم تنس طالبات المدرسة الأولى بصفوى مديرة المدرسة التي كانت أماً لهن رغم أنها لا تكبرهن بكثير، تلك الشابة الفلسطينية، التي قدمت إلى السعودية وهي مازالت ابنة الـ18 عروساً في أيامها الأولى، ومازلن يحتفظن لها بالكثير من الجميل الذي استعصى على النسيان.

سكنت نضال عواد في صفوى سنين طويلة فاختلطت بتربة الأرض وناسها، وعشقت طباع السكان وعاداتهم، وعاشت كواحدة من أهالي القرية، لكنها سافرت إلى الأردن بعد تقاعدها واستقرت هناك، وبرغم البعد بقيت علاقتها بالناس وطيدة، ولم تنقطع حتى مساء الأحد الماضي، حيث فارقت الأهل والأحباب وعرجت روحها إلى بارئها.

الرحيل المر

انتشر خبر رحيل أم حسام بسرعة كبيرة جدا، إذ لم يكن الخبر عادياً، بل كان حزيناً وموجعاً لكثير من الأسر التي تربطها بالمرحومة وشائج الوفاء والود.

وفي هذا التقرير تقف “صُبرة” أمام بعض الدمعات التي سالت على رحيلها سخية ساخنة.

آمال الحبيب:

سلامي لجميع أهالي صفوى

كنت في السادسة من عمري عندما تعرفت إلى أستاذتي الفاضلة “أم حسام” وكانت آنذاك مديرة للمدرسة الابتدائية الوحيدة بصفوى.

‎كانت علاقتي عادية جداً بها كعلاقه أي طالبة بمديرة مدرسة، لكن ما يميز هذه العلاقة أنها كانت تزور والدتي بالمنزل، ومع مرور الوقت أحسست أنها قريبة مني أكثر من غيري.

‎تطورت العلاقة إلى حد أننا نعتبرها أعز صديقات والدتي، وكنت أدعوها بخالتي “أم حسام”.

العلاقة لم تنقطع أبداً طوال مدة بقائها بالمملكة وبعد تقاعدها، كنا نزورها بمنزلها في بالأردن برفقة العائلة، ونسترجع الذكريات والمواقف.

كم كانت سخية في عواطفها ونصائحها، ومطبخها الفلسطيني العامر.

في زواج ابن اختي بعمّان كان آخر لقاء بيني وبينها قبل عامين، ولم تنقطع اتصالاتنا الهاتفية، وفي أغلب الأحيان كانت هي المبادرة والبادئة بالسؤال عني وعن العائلة، ودائما تكرر عبارتها المعتادة “اشتقنا لكم، متى جايين على الأردن..؟” والعبارة الأخرى التي لا تنفك تذكرها ولا أنساها “سلامي لجميع أهالي صفوى”.

آخر اتصال بيننا كان مرئيا قبل ٦ أشهر، ولاحظت التعب على وجهها وحديثها. تلك هي أم حسام التي لم نتعود سماعها تشتكي أو تتألم. لم نتمكن من التواصل معها شخصيا، ولكن كنا نطمئن على صحتها بسؤال زوجة ابنها.

رحمها الله بقدر ما ضحت وأعطت وخدمت هذا المجتمع الصفواني الذي عشقته من أعماق قلبها، لروحها المغفرة والرحمة والرضوان ولأهلها وذويها ومحبيها الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

منى اليوسف:

وعُدتُ طفلة في السابعة

أعرفها بأبلا نضال، مديرتي من الصف الأول الابتدائي إلى الثالث متوسط. مربية الأجيال. اليوم فقط أدركت أنني لا أتذكر أي مديرة أخرى غيرها. تأخذني الذاكرة إلى أبلا نضال، التي تقف عند مدخل المدرسة الداخلي وأنا وغيري الكثير من طالباتها نمشي باتجاهها.

أمشي تجاهها على وجل أن تناديني، أتمنى رضاها.. علمتنا دون الكثير من الكلام. أحسنت تأديبنا وتربيتنا داخل صرح مدرستها. لا أتذكر من العقاب إلا كثيراً من الامتنان لامرأة كرست حياتها المهنية لتربية أجيال تلتقي بهم في مساحة من الحب.

عندما انتقلتُ إلى ثانوية القطيف عرفت الفرق بين مديرة مدرسة ومربية أجيال. أبلا نضال مزيج من الشدة واللين والحب والانتماء لطالباتها. أبلا نضال تعلمك دون كلام، تعلمك بضربها مثلاً للالتزام، تحمل المسؤولية، تعلمك حب العلم والتعلم. أبلا نضال الشديدة المتواضعة التي تجيد إخفاء ابتسامتها عندما يحين وقت العقاب بحب.

رأيتها آخر مرة في عمّان الأردن في يونيو ٢٠٢٢ وعدت طفلة في السابعة تبحث بكل الامتنان عن نظرة رضى من مديرة مدرستها.

 فاطمة حسين آل عبدالباقي:

الذكريات لا تُحصى والدروس لا تُعد

أستاذتنا، والدتنا.. هنيئاً لك عروج روحك الزكية إلى بارئها في شهر الخيرات والبركات، شهر يعجّ بكل ما هو رائع كروعتك حبيبتنا.

في ليلة وأي ليلة إحدى ليالي القدر العظيمة، ليلة علي وما أدراك ما علي، ليلة فوز علي (فزت ورب الكعبة).

الذكريات معك لا تحصى، لقد شرفتنا بقدومك إلى مدرستنا وأنت عروس وأجمل عروس ذات الثمانية عشر ربيعاً.

أتذكر جيداً في نفس الأسبوع الذي وصلت فيه كانت بداية السنة وتسجيل المستجدات، أحضرتني أمي وكان عمري خمس سنوات فرحة بدخولي المدرسة، ردتها لأني صغيرة لكن أمي أصرت وقلبك الكبير لم يردها ثانية.

وبدأت ذكرياتنا معك إلى أن اختارك الكريم أن تنتقلي إلى جواره.

هل تذكرين حبيبتي عندما زرتك في منزلك في الأردن وأردت أن أرى حسام ذاك الطفل الفائق الجمال، فذهبنا معا إلى بيته واستقبلتنا زوجته الراقية وانصدمت عندما سمعت صوته، قلت لك كبييير قلت “شو مالك من مواليد ٦١” فتفاجأت أني أكبره فقط بثلات سنوات. وكم كان كرمك في بيتك خياليا وقد أبهرني علاقتك الرائعة مع أخيك الوحيد وابنة أخيك وأسرته كلها.

تعيشون في صرح واحد، حب يجب أن يتعلم منه الجميع كيف يجب أن تكون علاقة الأخوة، أحمد الله أنك كنت زائرة صفوى (التي عشقتها) حين كانت حفلة تكريم ثلة من المتقاعدات، ودعوتك فكنت ضيفة الحفل حيث سعد بك الجميع، كنتُ مقدمة الحفل وفاجأتك ببعض أبيات الشعر كتبتها في شخصك الكريم فأسعدتك وابتهج قلبي لأني استطعت أن أصنع شيئا وصل إلى قلبك.

الذكريات معك لا تحصى والدروس التي تعلمناها منك لا تعد، جمعنا الله بك في فردوسه واختار لنا يوما كيومك حبيبتي،

فنامي قريرة العين إلى أن يشتاق الكريم إلى أن يلقانا فنراك والأحبة”.

الدكتورة عالية آل إبراهيم:

جزء من تاريخ صفوى

رحم الله المربية والأستاذة الفاضلة أم حسام، لم تكن مديرة أول مدرسة للبنات في صفوى؛ إنما كانت أماً محبة ومربية أجيال لكل من عاصرها من الطالبات، زرعت فينا حب العلم والعزيمة والحرص على التفوق والوصول لأهدافنا. 

أم حسام رحمها الله كانت جزء من نسيج المجتمع الصفواني، أحبها لتواضعها وبساطتها ووعيها ومحبتها للناس. لن ننسى لها ذلك، هي منا وفينا وجزء من تاريخنا ومجتمعنا الصفواني.

ضوية الناصر:

نضال.. الجميلة قلباً وقالباً

‎كانت الشخصية الآسرة والملهمة لجيلنا وجيل أمهاتنا. أحبت صفوى وأهلها وعاشت أحلى أيام عمرها في هذه المدينة الهادئة البسيطة (حسب ما سمعت منها شخصيا). 

كنت محظوظة بلقائها عام ٢٠٢٢ في عمّان. لم تتغير فهي الجميلة قلباً وقالباً كما عهدناها، نبرة صوتها الهادئ وضحكتها الخجولة والقلب الحنون.

لروحها السلام والسكينة، والصبر والسلوان لأولادها حسام ومجدي وعائلتها وكل محبيها.

فايزة الحبيب:

أهلي كلهم في صفوى

 لم تكن مديرة مدرسة، بل كانت أماً لنا جميعاً، تهتم بكل التفاصيل، وتداري كل الطالبات. تلك الصغيرة التي دخلت مدرستنا وهي مازالت عروساً في الثامنة عشر من عمرها أو أصغر، عرفت كيف تأسر قلوبنا جميعاً، عرفت كيف تبني لها بيتاً في كل قلب.

كانت معنا منذ بداية وعينا على الدنيا، هي مديرتنا وصاحبة أمهاتنا. كنا إذا رأيناها صدفة في الشارع نختبئ كي لا ترانا فتغضب لأننا خرجنا من البيت دون مذاكرة.

بقيت تدير المدرسة الابتدائية سنوات طويلة حتى جاء قرار سعودة إدارات المدارس، وحينها أصبحت تعلم الأمهات في مدارس محو الأمية، ثم انتقلت إلى تبوك وعملت سنتين أو ثلاثاً، وبعدها ذهبت إلى الأردن واستقرت هناك.

عملت في السعودية قرابة 40 سنة، أغلبها قضتها في مدينة صفوى، لذا عُجنت طينتها بمياه صفوى ووهوائها، كانت متواضعة جداً، هينة لينة، لا تطلب من الحياة إلا القليل، تاركة أسباب الرفاهية بجملة “ليس لها حاجة”، مثقفة جداً، أصيلة لم تتخل يوما عن هويتها الفلسطينية، بل سعت بكل عزم لغرس هويتها في وجدان عائلتها الصغيرة المكونة من ولدين حسام ووجدي، أصبحا اليوم آباء، ولها منهما أحفاد، ومازال ولدها الصغير وجدي يسكن في الجبيل بالسعودية ويعمل بها هو وزوجته، أما حسام فيسكن الأردن.

كانت علاقة عائلتي مع عائلة أبله نضال قوية جداً، اشترى لنا والدي بيتا في الأردن فكنا نذهب هناك كل سنة، وفي عصر كل يوم تلتقي أمي بها ليقضيا وقتهما يتسامران، إما في بيتنا أو في بيت أم حسام، يجلسن في الحديقة معا بحضور إبريق الشاي والفاكهة المحلية المقطوفة بأيدي آكليها.

ولا أنسى فضلها في تعليمي الكثير من الأمور التي تخص التراث الفلسطيني، فبعد زواجي، ازدادت زياراتي للأردن، وكلما وصلت عمان كان بيتها محطتي الأولى. وهناك علمتني التطريز الفلسطيني، والطبخات الفلسطينية، وكل ما يخص عاداتهم.

لكن ما آلمني أنها حين ذهبت إلى الأردن انفصلت عن عالمها الذي اعتادته وأحبته فتقوقعتْ في بيتها، لم تعد تلك المرأة المنطلقة التي تعشق الناس والحياة، وفي آخر لقاء لي بها في يوليو الماضي كانت تقول: ليس لي أحد هنا سوى ولدي وأخي، أهلي كلهم في صفوى، تشير إلى معارفها وأصدقائها، فشبكة العلاقات التي كونتها طيلة 40 سنة لم تستطع الفكاك منها بعد ذهابها إلى الأردن، فكان الحنين يجذبها إلى حيث شبّت وكبرت.

وكنت كلما التقيت بها تسألني عن كل من تستحضره ذاكرتها المتقدة، ولا أجمل من محياها وهي مستأنسة بحديثي لها عن أخبار أحبابها.

عندما سمعت خبر وفاتها البارحة سالت دموعي قبل أن أندبها، بكاها قلبي قبل عيوني، ومن فوري اتصلت بأمي وحين أخبرتها: أم حسام ماتت ندبتها وبكت وأبكتني.

 تلك الجميلة تستحق أكثر من البكاء، بمقدار بذلها وعطائها وحبها لكل من عرفت، فلروحها السلام والسكينة والرحمة.

ماجدة الصالح

بفقدها تلقت أمي وجعاً آخر

أعتبرها أمي ليست مديرة مدرسة، وبحكم أن بيتها قريب من بيتنا توطدت علاقتها بأمي فأصبحتا كالأختين.

مربية فاضلة، أخلاقها تسع الدنيا وابتسامتها تملأ المكان الذي تكون فيه، كل الصفات الجميلة فيها.

كانت تعاملني كابنتها، ولم يقتصر الأمر عليّ بل حتى ابنتي حين ذهبت إلى الأردن قبل 10 سنوات للدراسة استقبلتها واحتضنتها كأم، تسأل عن حاجاتها، وتطمأن عليها باستمرار.

لم ينقطع الاتصال بيننا أبداً، فهي حاضرة معنا في كل مناسباتنا الحزينة والسعيدة، فإن لم تستطع الحضور كانت المكالمات المواسية والمهنئة ديدنها كما هو عادتنا معها.

وكلما ذهبت إلى الأردن حططت رحالي عندها، كي لا أتعرض لزعلها عليّ، آخر لقاء جمعنا كان قبل وباء كورونا عام 2019، وبعدها بقينا على الاتصالات الهاتفية، وذلك بسبب ظروف حالت بيننا وبين إمكانية السفر.

اختارها الله إلى جواره في شهر كريم ويوم عظيم، وهي تستحق الخير، وتستحق مزيداً من الرحمات.

توفي زوج خالتي في الأسبوع الماضي، وما زال الحزن يخيّم على البيت لفقده، ووصلنا خبر رحيل الغالية أم حسام ليل البارحة فزاد الحزن والألم، وتلقّت أمي بفقدها وجعاً آخر وأنهكها رحيل أخت لم تغب عن الذاكرة يوماً.

اقرأ أيضاً

كانت مدرسة 8] مجلس آل إبراهيم.. هنا تعرفت بنات صفوى على “المراييل”

‫2 تعليقات

  1. رغم أنني لم اعرفها ولم اسمع بها من قبل هذا اليوم إلآ أن دموعي لم تتوقف وانا اقرأ كلمات من عرفها وعايشها وما يحزنني أكثر أنها فلسطينية متغربة في ريعان شبابها فسلام على الغرباء في هذه الحياة القاسية

  2. كانت نوراً وضياء في داخلها كجمال ملامحها، قلبٌ نظيف، إدارة من غير تسلط، كبرياء بتواضع، زهواً بإجلال.
    كانت أماً للجميع من عرفها عن قرب أو كمديرة صاحبة شخصية محببة إلى القلب كبراءة وجهها وحنان قلبها.
    هنيئاً لك هذا الرحيل في يوم عظيم وشهرٌ كريم، ألف رحمة ونور تنزل عليك بما قدمتيه من خدمة بإدارة راقية وجمال منقطع النظير، فكنتِ أماً للجميع وصديقة للأمهات ومربية أجيال تعلمنا منك الكثير الكثير💐.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×