[مقال] هادي رسول: شاعر للبيع..!

هادي رسول

“أود أن يكون لي شاعر ، هل يمكن أن نشتري واحدًا؟”

هكذا طلبت فتاة عمرها اثنا عشر عامًا من أبيها أن يشتري لها شاعرًا ، في الرواية القصيرة ( هيا نشتر شاعرًا ) للبرتغالي أفونسو كروش و التي ترجمها للعربية عبدالجليل العربي.

الشعراء يصبحون سِلَعًا استهلاكية في المتاجر و لهم أشكال مختلفة و أحجام متباينة و أنّ الأكثر جودة و الأعلى ثمنا هو من يرتدي نظارات … ، في الرواية الساخرة التي تحاول بسخريتها أن تشير إلى هيمنة الحالة المادية في تكوين المجتمعات و انحسار القيمة الحُلمية و الخيال الإنساني عن تكوين هذه المجتمعات. الخيال الذي يمارس بعثه للحياة غرباء، هم الفنانون و النحاتون و الرسامون و الشعراء .
تأتي هذه الرواية وكأنها تحاول ساخرة أن تجيب على سؤال ما أهمية الشعر ؟
لست في معرض مناقشة الرواية و إمكاناتها السردية البسيطة ، لكنها تهدف بوعي ساخر في إثارة المتلقي حول أهمية الخيال حين تقول : ” المجتمع يكون أفضل إن نحن تخيلنا بشكل أفضل .”
و حين تقول أيضًا : ” من دون استعارات ليس من الضروري الكلام .”
الاستعارات التي تناسلت من فم امرئ القيس مرورًا بأبي تمام و وصولاً إلى بابلو نيرودا و إلى آخر شاعر يوظّف إمكانات اللغة لتحريرها من قيود الجمود إلى فضاءها الجمالي حين يدرك شاعرية الأشياء .
الاستعارات التي يعبر عنها أنطونيو سكارميتا بأنها ” مخدّر الكلام ، و أنها تجعل نادلة حانة ريفية تشعر كأنها أميرة فينسية .”

أعود إلى عنوان المقال الذي يبدو استفزازيًا ، شاعرٌ للبيع!
و سأسأل هل يتصرف الشعراء على أنهم شعراء أحرار أم شعراء مملكوين يخضعون لمتطلبات السوق كبضائع تجارية ؟
هل يقدمون مادة خيالية فنية أم يقدمون حالة مادية قائمة على العلاقات النفعية ؟
ما هو الهدف من الشعر؟
لماذا يكتب الشعراء؟
ما الشعر و ما القصائد؟
لمن يكتب الشعراء؟
تتكرر هذه الأسئلة و تعيد حضورها الدائم ، ليس بهدف البحث عن إجابة محددة أو تحدد مسارها ، و إنما تحاول أن تضع الأداء الشعري في مجتمعاتنا العربية تحت عدسة الفحص ، و مختبر النقد الثقافي و الأدبي .

الشعر الذي نراه الآن يصبح مادة استهلاكية و سلعة جماهيرية، و يتحول إلى بضاعة يتم تقديمها ضمن قائمة طلبات و رغبات ، بتشجيع و ممارسة من الشعراء أنفسهم !!
الشعر الذي أصبح ” حصان سباق “في مسابقات معيارية خاضعة لأدوات القياس !! ، دون أن يشكّل مادة خيالية محرضة للمتلقي و الفن والحياة، للدرجة التي تفقد فيه اللغة شاعريتها و قدرتها على الإدهاش بالشعر.
لذا ليس غريبًا أن يصنّف الشاعر و الناقد البريطاني صامويل جونسون الشعراء في ترتيب تنازلي حسب الأهمية : ١- شخص يبتكر ٢- كاتب خيال ٣- كاتب قصائد.
حيث يأتي كاتب القصائد في المستوى الأدنى و الرائج و البسيط لكتابة الشعر.
و كأنما كاتب الخيال و الشخص المبتكر يبدوان حالتين نادرتين.

ختامًا أعود للرواية التي تستحضر في مايشبه الخاتمة قول الفيلسوف و عالم الرياضيات الإنجليزي وايتهاد : ” على العلم أن يتعلّم من الشعر ، فعندما يشيد شاعر بجمال السماء و الأرض فهو لا يعبّر بخياله عن تصور ساذج للعالم و لكن عن أحداث محدد من الخبرة الإنسانية.”
هذا القول الذي مشى على ظلاله الفيلسوف و الفيزيائي الفرنسي غاستون باشلار بقوله : ” العلم يتجاوز ذاته باستمرار ، كما أن الأدب يكثّف دلالاته بقدر لا نهائيّة القراءات و المقاربات ، كل ذلك لأننا نحلم ، و لذلك يغيّر العالم في كل لحظة من جلدته.”

فهل مازال الشعر يمارس وظيفته الخيالية؟

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com