اليوم العالمي لـ “حروق” الإنسان

حبيب محمود

قد أكون سوداويّاً؛ لا بأس. ولا بأس من أسرق من “اللّمبي” هذا التصحيف في تسمية اليوم العالمي ـ الذي يُقال إنه ـ لحقوق الإنسان. فالأمر الذي أراه بفهمي؛ هو أن التسمية المناسبة لهذا اليوم هي “اليوم العالمي لاستخدام دعاية حقوق الإنسان في السياسة الدولية”. وعندي من الأدلة ما يكفي لإقناع نفسي بالذي أراه من حقيقة، ولا أُلزم أحداً قناعتي، ولا أفرضها على غيري..!

أكثر الأدلة سطوعاً؛ هو مجلس حقوق الإنسان نفسه. هذا المجلس يتبع منظمة الأمم المتحدة. وهذه المنظمة الدولية لا تتّحد فيها الأمم مطلقاً كما يدّعي اسمها. بل هي منظمة “الحكومات المتحدة”. هل سمع أحدكم ـ أو رأى ـ أن الأمة الصينية الهائلة العدد ـ مثلاً ـ لها تمثيل في الأمم المتحدة، أو مجلس الأمن، بغير “الحكومة” الصينية..؟!

جرّبوا هذا السؤال على كل أعضاء الأمم المتحدة، ومعها مجلس الأمن؛ وابحثوا عن أي “أمةٍ” ممثلة فيهما. كل التمثيل محصور في “الحكومات” لا في “الأمم”..!

ومجلس حقوق الإنسان مرتبط بهذه المنظمة الدولية، والفاعلون في المجلس ـ الحقيقيون ـ يمثّلون “حكومات” أيضاً، لا أمماً، ولا يمثلون حتى منظمات من المجتمع المدني. وأيُّ صوتٍ مسموعٍ في المجلس؛ لن يخرج عن هيمنة “حكومة” من الحكومات أو تأثيرٍ ما.

وكلُّ ملفّ يدخل هذا المجلس؛ إنما يدخله لهوىً من أهواء دولة من الدول، أو منظمة متأثرة بدولة من الدول. وكل تصويت أو قرار أو توصية؛ لن يكون أيُّ أثرٍ أكثر من أثر الضجيج الإعلامي الذي سوف يذهب أدراج الهواء بعد مغادرة ممثلي “الحكومات” في المجلس..!

وتُحاول كثيرٌ من الدول استخدام هذا المجلس في صراعاتها السياسية فقط. وبالمقابل؛ تقف دول بالمرصاد لقرارات المجلس، وتحاول عرقلته، فإن لم تنجح في عرقلته؛ فإنها سوف تُعمِل كل أجهزتها الدبلوماسية لتمييعه. ولو قُدِّر لملفٍّ من الملفات أن يعبر سقف المجلس، ويصل إلى مجلس الأمن؛ فإن الصراع الدوليّ سوف يُنهيه بـ “فيتو” واحد، أو اثنين، من دول مجلس الأمن..!

وهكذا تتبخّر كلُّ جهود مجلس حقوق الإنسان، ومعها جهود المنظمات الدولية التي تدّعي الاستقلال، ومعها المنظمات المرتبطة بدول، وتستمرُّ الانتهاكات..!

نحن، في العالم الثالث، صدّقنا الكذبة الدولية حدّ الغباء السياسي. ألهانا تكاثر الناشطين، والمنظمات، والشعارات، والكتب الحقوقية، والمحاضرات، ولم نفهم ـ ولن نفهم ـ أن كلّ هذه الجعجعة ليس فيها أي طحينٍ للإنسان، بل هي لعبة ساسة يناورون، وملهاة منظمات تُهدر الموارد، وتخاطر ـ بل تقامر ـ بالشعوب بلا مبالاة ولا مسؤولية..!

أليس من الصادم أن تنسحب الولايات المتحدة من مجلس حقوق الإنسان بجرة قلم..؟ وهي الدولة التي تُصدر وزارة خارجيتها تقريراً سنوياً يوزّع شهادات حقوق الإنسان على الدول، كما يوزّع معلم الصف الدرجات على شهادات الطلاب..؟!

الذين يعرفون التباس الحقوق بالسياسة لا يصدمهم مثل هذا الحدث. لأن حقوق الإنسان تقوم على المباديء الأخلاقية، في حين تقوم السياسة على المصالح.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com