[40 حكاية: 2]: السيد صالح.. الكادح في نخيل “الحِلّة”

مصطفى الشعلة

كنتُ حينها طفلّا صغيرًا جُلُّ ما أعرِف هو بيتُ جدي القديم و أزقّة (زرانيق) قريتنا الصغيرة حلّة محيش وعيونها الارتوازية ونخيل جدّي التي قضيتُ فيها معظم طفولتي أعمل في مهنة النَخلَوة مع أخواني وبقيادة جدّي (ذي البأس الشديد) السيد صالح (رحمه الله).

كانت القطيفُ حينها لا زالت غنيّةً بنخيلها الوارِفة وبساتينها الخضراء وعيونها التي جعلت من القطيف واحةً بل جنّة خضراء!

أكثرُ ما يؤلمني ويحزنني أنّ كلَّ هذه النخيل وكلّ هذه العيون أصبحت اليوم أثراً بعد عين!

كان جدّي يرعى بساتينَ كثيرة حول قريتِنا. جُلّ اهتمامه كانَ مُنصبًّا حولَ رِعايةِ النخيل فقط لأنّها كانت تمثّل الدخل الأساسي له بدايةً من الترويس (تنظيف رأس النخلة) ثم التنبيت (تلقيح النخيل) في نهاية فصل الشتاء وبداية الربيع، فالتحدير (تنزيل عذوق النخلة وترتيبها لتشكّل حلقة دائريّة)، وما إن يأتي فصل الصيف حتى يبدأ موسم الخَراف (جني الرِطَب) ابتداءً من نخيل الماجي، ومن ثم البشيرات التي تبشّر بخيرات النخيل، وبعدها الغرّة ويليها الخلاص وهو أجود أنواع الرِطب في منطقتي القطيف والأحساء. وهناك أنواع أخرى يفضّل الكثير من النخالوة تركها لمرحلة الصرام (قطف العذوق كاملةً) مثل الخنيزي لينتجوا منها أكياس التمور أو الدبس.

في كلِّ مرحلة من مراحل العناية بالنخلة (الترويس، التنبيت، التحدير، الصرام) يقوم جدّي بالاتفاق مع مجموعة من النخالوة ومعظمهم من أهالي التوبي لتنفيذ المهمّة وهي بمثابة مشروع ضخم يستوجب الكثير من الأيدي العاملة رجالًا ونساءً. الرجالُ في الميدان والنساء في بيوتِهم يعددن الطعام وكذلك إعداد الخَصَف (عبوّات ضخمة تُصنع من خوص النخل لحفظ التمور فيها). أتذكر جدتي علوية وأمّي صالحة وصديقاتهن من نساء الحي يجلسن ويتسامرن كلّ صباح وهنّ يصنعنَ الخَصَف بطريقة احترافيّة في غاية الروعة والدقّة. أتذكر أيضاً نخالوة التوبي كانوا أشدّاء أقوياء يركبون النخيل بسرعة فائقة باستخدام الكر وفي يدهم المِنجل الحاد جدّا. في عملية الترويس مثلًا ما إن يصلوا إلى نهاية النخلة حينها يربطون الكر بمحاذاة رأس النخلة ثم يتسلقون بأيديهم فوق رأس النخلة لتنظيفها من الأشواك ومن دون استخدام أي وسيلة سلامة! يا لشجاعتِهم!

إضافةً إلى نخالوة أهالي التوبي يستأجرُ جدّي عشرات الشباب من أهالي الحلّة لتنفيذ الأعمال المُسانِدة مثل تجميع وحرق الأشواك، أو تجميع وتنظيف الخَضَر (غصن النخلة)، أو جمع ونقل التمور في موسم الصرام. من النادر ترى رجلًا في الحلّة لم يعمل تحت إدارة جدّي! كان قائدًا نخلاويًّا عظيمًا وذا بأسٍ شديد!

مع كلّ هذه القيادة العظيمة والمشاريع النخلاويّة التي تستنفر القريب والبعيد لم يكن جدّي إلّا مُستأجِرًا لهذه النخيل، فالمُلّاك الحقيقيون هم إمّا من بني خالد من أهالي عنك أو من التجّار الأغنياء من أهالي القلعةّ! يا للعجب! لماذا لم يستملِك النخالوة البُسطاء تلك النخيل التي يرعونها ويقضون طول عمرِهم في رعايتِها؟ هذا سؤالٌ ذو شجون ومُحزِن حقًّا! 

إضافةً إلى النخيل تعلّمتُ من جدّي أيضًا فنون العَمَار (حرث الأرض) والسَقَاي (ري الأشجار) وقطف وبيع المنتجات المحليّة كاللوز والموز والجوّاف والتوت والتين والرّمان والليون والترنج (الأُترُج) إضافةً إلى الحَش (قص الحشائش) مثل القصّيب والحَلفا وتقديمها كَعَلَف إلى الأبقار.

أهم ما تعلمتُ من جدّي هو مهارة التَكسّب والاعتماد على النفس وهي قصّةٌ تستحقُ أن أفردَ لها حكايةً مُستقلّة!

كان العملُ مع جدّي شاقًّا جدًّا! كنتُ أغار من خواتي ومن أخي الصغير عدنان لأنهم يستمتعون تحت هواء المُكيّف البارد وهم يشاهدون الرسوم المُتحركّة في غرفة أمّي بينما أنا وأخي ماجد وأخواني الكِبار زكي وهاشم نعاني من العمل الشاق تحت حرارة الشمس الحارِقة والرطوبة الخانِقة، مع ذلك فذاكرتي مزدحِمة بالكثير من قصص اللعب والمرح بين النخيل والماء.

كان جدّي شديدَ البأس يغضبُ جدًّا إذا فرّطنّا أو تكاسلنا في العمل لدرجة أنّي في بعض الأحيان أعتبرُه إنسانًا شريرًا! والآن وبعد أربعين عامًا أدركتُ أنّه معلمّي الأول في الصبر وقوة التحمّل والاعتماد على النفس، وأكنّ له كل المعروف لأنّه جعل من طفولتي غنيّةً بالكثير من المغامرات واللعب والمرح والسعادة بين ضلال البساتين وخرير مياه العيون. ويؤسفني جدًا أن أرى الطفولة الآن حبيسةَ جدران البيوت، وسجينةَ الألعاب الإلكترونيّة! 

رحمك الله يا جدّي!

الحكاية القادمة “بين النخيلِ والماء”

#أربعونحكايةفيأربعينعاماً

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com