الشيخ الخنيزي وثّق أول “خسف” في عيون القطيف مقال قبل 63 سنة يُشير إلى بداية المشكلة في الجش وأم الحمام

ما تبقي من عين الخنيفسانية، البدراني، غرب الجارودية. كانت محط قوافل المسافرين إلى الأحساء ونجد والحجاز. (تصوير الكاتب)

كتب: حبيب محمود
ربما لم يكن الشيخ عبدالله الخنيزي قاصداً “التوثيق” بل “التنبيه”. لكنّه أدّى المهمّتين معاً، ليكون مقالٌ له كتبه قبل 63 سنة؛ أولَ تدوين يوثّق مشكلة نُقصان مياه عيون القطيف، ويُشير إلى “الطلائع المُحزنة” التي بدأت في “قرية الجش وغربي قرية أم الحمام”، قبل سنوات من تاريخ كتابة المقال عام 1376هـ، 1956م.

الشيخ عبدالله الخنيزي.. حالياً

طرح المقال، ضمن ما طرح، مشكلتين، كلّ منهما لها صلة بالأخرى: وفرة المياه، وانتشار الملاريا. وبعد أكثر من 6 عقود من كتابة ذلك المقال؛ اختفت مياه العيون الجوفية، واختفى مرض الملاريا…!

الشاب عبدالله الخنيزي
آنذاك؛ لم يكن الشيخ عبدالله الخنيزي قد انخرط كلّياً في الدراسة الدينية الحوزوية، كما هو حاله اللاحق الذي انتهى إليه الآن، ووضعه في قائمة رجال الدين المتفرّغين للدرس والتدريس، واشتغالات البحث، والنشاط المتصل باهتمامات العلماء.
آنذاك؛ كان شابّاً في الـ 26، من جيل المتدينين المتطلّعين إلى ثقافات خارج السائد من مصادر المعرفة. وبالطبع؛ لم يكن يحمل لقب “الشيخ” بعدُ. أديبٌ شابٌّ، متأنّق في هندامه، كما في أسلوب كتابته. يقرأ جديد المطابع، والصحافة السيارة، ويحاول إنجاز دور ثقافي خاص به، مركّزاً على كتابة المقالات، ومناقشة الكتاب.

الشيخ في شبابه الأول

وفي غمرة متابعاته؛ وقعت يده على استطلاع أعدّه عثمان حافظ ونشره في صحيفة “المدينة المنورة”. الاستطلاع تناول القطيف في تلك السنة. واستعرض حافظ جغرافيا “مقاطعة القطيف”، والسكّان، والنخيل والمياه، ومشكلة الملاريا، في سياق التعريف بها ضمن جولاتٍ صحافية حرصت عليها الصحيفة في بداية تأسيسها.
وفي نهاية الاستطلاع؛ دعا عثمان حافظ أدباء القطيف “راجياً أن يكتبوا عن تاريخ القطيف، في ماضيه وحاضره”..!

استفزاز شاب
الدعوة الأخيرة حركت الشاب “عبدالله الخنيزي” وقتها، خاصّة أن الاستطلاع انطوى على معلومات ـ ربما كانت ـ مستفزّة للأديب الشاب المعتدّ جداً بقطيفيته. كتب “عبدالله الخنيزي” ردّاً مفصّلاً على استطلاع حافظ، متوقفاً عند 6 نقاط. وعلى ما في الرد من هدوءٍ ورزانة؛ فإنه انطوى على غضبٍ منضبطٍ جداً. أُولى نقاط الردّ توقفت عند وصف القطيف بأنها “من أشهر مدن الأحساء”. ليردّ بأن كلمة “القطيف اليوم [سنة 1376هـ] تتناول رقعةٌ تُحد ـ من الشمال ـ بـ “صفوى” ومن الجنوب بـ “سيهات”.
ومثلما اعترض “الشاب الخنيزي” على الجغرافيا؛ اعترض على السكان. حافظ يذكر أنهم 30 ألفاً، والخنيزي يصل بالعدد إلى 80 ألفاً.

بداية أزمة المياه
النقطة الثالثة تناول النخيل ووفرة المياه.. لم يختلف الخنيزي مع حافظ. بل أضاف تنبيهاً مبكّراً لمشكلة نقص مياه العيون الجوفية.. “أقول: إنه، مع مزيد الأسف، قد أخذت هذه المياه المتدفقة ـ في السنوات الأخيرة ـ في نقصان ملحوظ، يبعث على القلق، ويدعو إلى التشاؤم”.

عين اللبّانية قبل أكثر من ربع قرن (المصدر: الإنترنت)

موضوع مياه العيون هو الأطول بين نقاط الرد على مقال عثمان حافظ. احتلّ 3 صفحات من أصل 13 صفحة. أثار الخنيزي الأسئلة “ونحن ـ أمام الكارثة ـ نقف حائرين، مكتوفي الأيدي، لا ندري إلى أية علة نردها، لأننا لسنا أخصائيين، ولا جيلوجيين”.
وسجّل مطالبة واضحة “فحبّذا لو قام المسؤولون ببعث بعثة فنية، لتدرس هذه الظاهرة المفزعة، لعل يد العلم تأسو جرح القطيف، فإنه في الصميم”.

 

خسف ـ خَسيف
اصطلاح محلّي يعني نضوب ماء العين، وركوده، وتلوّثه، وتحوّل لونه إلى الأخضر من كثرة الطحالب، أو الأسود من تراب القاع. وتُوصف العين التي على هذا الحال بـ “عين مخسوفة” أو “عين خسيف”. ويتجنّبها الناس، وقد تحوم حولها الخرافات، من سيطرة الجن والعفاريت على مائها.

وتُظهر الصورة عين “الصبيغاوي” الواقعة أقصى شمال واحة القطيف، وقد بدت “مخسوفة” تماماً، بركود مائها واخضراره. (أرشيف الكاتب)

ملاريا القطيف
توقف الشاب “عبدالله الخنيزي”، أيضاً عند مشكلة مرض الملاريا التي كانت منتشرة في القطيف، وذكرها عثمان حافظ. “فهو شيء واقع”، ولكن “من المبالغة قوله: إنه قلّ من يسكنها، ولا يُصاب بحُمّاها”. مبالغة حافظ وصلت إلى “حد الخلق والابتداع”، حسب رأي الخنيزي.. ومن ذلك “إن صاحب الدكان يشعر بدنوّ نوبة الحمّى”. هذه “حكاية تُنقل لنا عن بعض ظرفاء البصرة، ولكن بعد أن سمعناه تُنقل عن القطيف؛ فإننا لا نكاد نجزم بصحتها، فقد تكون مختلقة ـ أيضاً ـ عن البصرة العزيزة الشقيقة”، على حد قول الخنيزي.

نفذت الحكومة وشركة أرامكو برنامجاً استمر لسنوات للقضاء على الملاريا.

مع ذلك يعترف الخنيزي “ولكن مما لا شك فيه، ومما لا سبيل إلى نكرانه، وجود الملاريا بكثرة.. وصحيحٌ قوله وردُّه كثرة وجود الملاريا إلى المستنقعات الراكدة، والمياه الجارية التي تولد البعوض، فينقل لنا هذا الميكروب الخبيث”.
الخنيزي تحدّث عن الحل، رش مادة “دي دي تي” مرّتين في السنة. ويوثق تنفيذ ذلك حكومياً، بيد أنه يسجّل نقداً “وقد رُشّت البلاد بهذه المادة، ولكن “الواسطة” التي قامت بمباشرة الرش؛ لم تقم، كما ينبغي، إلا مرة واحدة، هي المرة الأولى، فعندما أُذيبت هذه المادة في الغاز “النفط” كانت الفائدة ملموسة.. أما حين أُذيبت في الماء؛ فإننا لم نجد أي أثر لها، ولم نلمس أية فائدة”.

دعوة
قدّم الشاب عبدالله الخنيزي ردّاً منضبطاً في اعتراضه وتعقيبه. ووجد فيه فرصة لدعوة عثمان حافظ إلى زيارة القطيف “متعرفاً على علمائها وأدبائها، وكلهم إخوانه”. وذيّل مقاله بقوله “فنرجو أن يكون ما نشره الأستاذ، وما كتبته أنا، رابطةً، وصِلةَ تعارف بين: الحجاز والقطيف.. وأن تمتد هذه المعرفة وتتسع.. وألّا يعود يجهل بعضنا بعضاً.. ونحن كالجزء الواحد الذي لا يتجزّأ”.

تنويه

نشر الشيخ الخنيزي مقاله المعنون بـ “القطيف اليوم”، في كتابه “نسيم وزوبعة”، ص 103. وذكر بعد العنوان أن المقال “نشرته جريدة المدينة المنورة، في عدديها عام 1371”. وفي ذيل المقال أرّخه في 1/6/1376، الموافق 27/2/1952. ويبدو أن هناك أخطاء طباعية في هذه التواريخ، إذ إن صحيفة المدينة المنورة تأسست على يد علي وعثمان حافظ، وصدر العدد الأول منها يوم الخميس 26/1/1376، بالمدينة المنورة. (المصدر: موقع الصحيفة)

  • نسيم وزوبعة
    كتاب يضمّ سلسلة مقالات للشيخ الخنيزي كتبها ونشرها في سنوات الشباب. طُبع غير مرّة. وقد اعتمدنا ـ هنا ـ على الطبعة الثانية الصادرة في القاهرة، سنة 1397، 1977م.
    ينقسم الكتاب إلى:
    “نسيم”: ويضم المواضيع “التي كتبتها، بعدما أقرأ ما يطبع في نفسي الرضا والقبول، فأتناول اليراع لأسجّل هذه الخلجة الحية، والنشوة الطيبة، والرعشة اللذيذة”، والكلام للمؤلف.
    “وأما الزوبعة فمواضيع نقدية، فيها: قوة، وصراحة، وجرأة، كتبتها على إثر ما أقرأ من آثار لا تناول مني الرضا، أو أكون وما تهدف إليه على خلاف”. والكلام للمؤلف أيضاً.
    يقع الكتاب في 460 صفحة.
    يضم 31 مقالاً، منها 24 مقالاً في “نسمة”.
  • عثمان حافظ
    عثمان عبد القادر حافظ ، (1328 هـ / 1909م – 1993م / 1413 هـ)، صحفي سعودي وأحد رواد ومؤسسي الصحافة في المملكة العربية السعودية.
    ولد في المدينة المنورة سنة 1328 هـ وتعلّم في المدرسة التحضيرية الأولى ثم في المدرسة الراقية الهاشمية في العهد الهاشمي، ثم في المسجد النبوي.
    عمل كاتباً في مديرية المعارف بالمدينة المنورة عام 1345هـ.
    عين عضواً لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمدينة.
    اتجه إلى التدريس عام 1350 هـ، فعمل مدرساً في المدرسة الابتدائية بالناصرية ثم عضوا بالمجلس البلدي.
    أسس مع أخيه علي حافظ جريدة المدينة عام 1356 هـ /1937م، ومطابع المدينة.
    أسس مع أخيه علي حافظ مدرسة الصحراء الأهلية بالمسيجيد عام 1356 هـ.
    في عام 1362 هـ، عين معتمداً للمعارف بالمدينة.
    نقل إلى المالية فعين مفتشاً للشمال.
    في عام 1365 هـ، عين مديراً لإدارة الحج بالمدينة المنورة، وظل فيه عشرين عاماً.
    تولى رئاسة تحرير جريدة المدينة عام 1386 هـ، وظل في رئاسة التحرير أكثر من عشر سنوات.
    أسس مع أخيه علي الشركة السعودية للأبحاث والتسويق والنشر والتي أصدرت عدداً من الصحف والمجلات، منها: المسلمون، الشرق الأوسط، المجلة.
    توفي في عام 1993م الموافق 1413 هـ عن عمر يناهز 84 سنة .
    (المصدر: ويكيبيديا)

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com