حمام أبو لوزة في القطيف.. حين ينهض الحظ الحلقة الأولى.. تعقيب وملاحظات

عدنان السيد محمد العوَّامي

وإذا نظرت إلى البقاع وجدتها

تشقى كما تشقى النفوس وتسعد

ابن نباتة المصري

لم تحظَ عينٌ من عيون القطيف الكثيرة بمثل ما حظيت به عين هذا الحمام، فعلى حد علمي القاصر أن عيون القطيف كافة اقتصرت العناية بها – إبَّانَ – على ترميم الأشفار، وجروف الجلوس، و(الغواصة) الدورية؛ التنظيف من الأتربة والردم، وما شابه. إذن فاختيار هذه العين وحدها بالذات دون سواها من عيون القطيف، كي يشاد عليها الحمام، ويعطى كل هذا الاهتمام كما لو انه ثامن عجائب الدنيا، مثير للأسئلة، فإن كان بسبب غزارة مائها فالعيون المجاورة لها كعين الخباﮔـة (الحباكة) والقصاري (القصَّارين)(1)، والطُّوينة أغزر منها، وإن كان لسعة مساحتها؛ فتلك العيون أوسع، ناهيك عن العيون الأخرى المشهورة بالسعة وغزارة المياه؛ مثل “داروش” في سيحة صفوى، و”الطَّيبة” في نخل “الغميري” بسيحة العوامية، و”اللبَّانية” الواقعة بين سيحتي القديح والعوامية، وعينا “الفَوَّارات” في سيحة التوبي، و”الروَّاسية” في سحية البحاري، وهذه كانت البديل عنه في فصل الصيف؛ بسب برودة مائها، وتوافر ظل النخيل والهواء فيها، أما إن كان بسبب عذوبة الماء فالمشهور – بين عيون القطيف – بعذوبة الماء هي عين القشورية “الكشورية” في سيحة حلة محيش (امحيش) إذ يجلب ماؤها إلى منازل الأثرياء لعذوبته(2)، ومثلها عين الصدَّين في سيحة الجارودية، وإن كان لقربها من الحاضرة (القلعة) فعين الحبَّاكة (الخباﮔـة) أقرب منها بنحو 100 – 150 متر تقريبًا(3)، والأكثر من هذا والأهم أن بعض العيون احتل مكانة بارزة في الفولكلور الشعبي كعين القصير بقرية التوبي، فهذه كانت النسوة ينشدن الأغاني فيها أثناء عودتهن منها بالعروس بعد (غسالتها)، وفي الذاكرة منها:

عين لـﮕـصير، يا لمسعَّدة

لقدور تغلي والصواني امْسنَّدة

والعروس امدللة، وامسرهدة(1)

بل إن بعضها حائزٌ رتبة  القدسية في معتقد العامة، كعين “الدالوة” بسيحة الجش، وعين الطيبة بسيحة العوامية، وعين بِدِّي في الآجام، أو مِدِّي، كما يسميها أهلها، حيث تقام فيها احتفالات (الغسالة) في الأعراس، وتؤدَّى النذور من أهالي القطيف وغيرهم. إذن لم يبق إلا أمرٌ واحد يمكن أن يعزى له سر هذا الاهتمام؛ ألا وهو احتواء عين الحمام على الماء المعدني الحار، وهو معروف بفوائده الصحية.

في بؤرة الضوء

أول من اهتم بهذا الحمام فكتب عنه – على حد علمي اليسير – هو الزعيم الوطني علي بن حسن أبو السعود (1324هـ، 1906م – 1373هـ، – 1954م) حيث جعله منطلَقًا لأحداث روايته (شيخة)، وهي أول رواية دُوِّنت في المنطقة الشرقية، وقد استُقبلت بحفاوة كبيرة، فأقيم – بمناسبة صدورها – احتفال فخم في قصر الغانم للاحتفالات، يحسن أن أقتطف منها هذا المشهد: «تقدَّم الغلام إلى مولاه ممسكًا بزمام الفرس، فامتطاها إلى خارج القلعة، حيث كان حمَّام (أبو لوزة)، وما هي إلا دقائق معدودة وإذا هو يتخطَّى البهو من مدخل الحمام، وهو مبني على أقواس وعقود، وبه مصاطب لوضع الثياب عليها، وللاستراحة، وكان هناك – قبل البهو – ممرٌ يؤدي إلى حمَّام النساء، وفي مقدم هذا الممر مدخل البهو المفضي إلى الحمام نفسه، ومشادٌ عليه قُبَّة ضخمة، عالية البناء، وتتجلى فيها روعة الفن، ينعكس فيها صدى الصوت، يتردَّد مرارًا بشكل آسر، وفي أعلى القبة كُوىً ترسل الشمسُ منها أنوارَها الذهبية عند شروقها، ثم سرعان ما تعود خيوطاً فِضِّية، تترقرق في وسط الماء كأنها تداعبه كلما تماوج بحركات السابحين، فيتراقص النور والماء، فينهال وميضٌ كوميض البرق في دِجِنَّة الليل، لولا ما يعتكر عليه من الدخان المتصاعد من جوف الحمام كأنه غازات تنبعث من بركان.

كان سليمان ساهمَ الطرف، شارد الذهن، قد أثَّر في نفسه هذا المنظر الرائع، وكذلك كانت أذهان الشعراء عندما يواجهون مثل هذه المناظر الخلابة، فيتيهون في خيالاتهم.

وبينما هو مستغرق في خياله، وسبْحات فكره، وهو حاسر عن رأسه، بعد أن تخلص من ملابسه؛ وإذ به يلمح – من باب البهو – ثلاثَ نساء يجتزن إلى حمام النساء، حيث هو مشاد بإزاء حمام الرجال، وكانت إحداهن سيدة في العقد الثالث من عمرها، لم تتجاوزه، وتليها خادم عجوز، وإلى جانبها جارية سوداء. فبعد أن اجتزن البهوَ، وتخطت السيدة عتبة الباب؛ تعثَّرت بعتبة الممر، فانحسر خمارُها، وبان معصمها البضُّ، فخيل لفارسنا أن وميض معصمها اخترق أعماق قلبه.

– ما هذا يا رب؟

ولم يدر إلا وهو قائم على قدميه، فاتحًا ذراعيه وهو يقول:

الله جارك، ولا بأس عليك! وهمَّ بأن يندفع مادًّا يده لإنهاضها، لولا أن الجارية سبقته مع الخادمة، فتراجع القهقرى وهو يتعثر خجلا، ويتمتم: ما الذي يعنيني من أمرها؟ لاشيء، لاشيء»(4).

الثاني: الأستاذ محمد سعيد المسلم. كتب تحت عنوان: (حمام أبو لوزة ومياهه المعدنية): «وقد أقيم عليه عدد من المباني التي تعتبر من المعالم الأثرية، ويقال إن بناءها يرجع إلى العهد العثماني، أو أبعد من ذلك بكثير، وأن بناءها جدد غير مرة، وهذه المباني المتلاصقة تتكون من قبة كبيرة تغطي النبع الخاص باستحمام الرجال، ولها مدخل لغرفة مستطيلة بنيت في جوانبها مصاطب لنزع الملابس، ثم في الجانب الشمالي مباشرة يقع حمام للنساء، وهو عبارة عن بركة متصلة بالنبع، ويتألف من غرفتين، وبجانبه من الشرق اصطبل للخيل والحمير التي كانت وسائط للنقل في ذلك العهد، وإلى جواره مبنى مستطيل أقيم على المجرى، مقسم إلى كبائن لاستعمال النورة(5)، وإلى جوار القبة من الغرب مسجد لأداء فريضة الصلاة»( 6).

الثالث: السيد علي ابن السيد باقر العوامي، أورده ضمن مقال عنوانه: (خالد الفرج ودوره الاجتماعي والثقافي في مجتمع القطيف)، بهذا النص: «ثانيّا – قام [خالد الفرج] بتوسعة الطريق المؤدِّي إلى حمام أبو لوزة، وهو حمام كانت ترتاده – للسباحة – كل شخصيات القطيف وأعيانها وعلمائها، وكان الطريق إلى هذا الحمام ضيِّقًا؛ لأنه يمر بين النخيل والبساتين… »( 7).

الرابع: الأستاذ الشاعر محمد سعيد الشيخ علي الخنيزي، كتب تفاصيل كثيرة يعنينا منها: «. . . أقيم عليه بناء يشبه  – في بنائه الشامخ – التراث الإسلامي، وتعلوه قبة قد صبت صبًّا. . . وأمامه صالون للاستراحة ونزع الملابس للمستحم… وقد بني على نفقة أحد زعماء القطيف، وشخصياتها، ومفكريها مهدي بن أحمد محمد النصر الله. . . وبرغم مرور أذيال الزمن عليه أصيب بتصدع في فترة من فترات هذا الزمان، فقام بترميمه وإصلاحه والدي الإمام الشيخ علي –  أبو الحسن – الخنيزي، وكان هذا الترميم على حساب والدي، والمباشر له الزعيم أحمد بن حسن علي الخنيزي بأمر من والدي – عمه – كما رواه العلامة الشيخ عبد الحميد، وابن العم عبد الحسين بن حسن علي الخنيزي. . . وكان بهذا الحمام مقهى يديره السيد شبر الحرانات في عمل مقهوي – الذي توفي عام أربعة بعد الأربعمائة والألف هجري. ونعود للمؤسس الأول لبنائه مهدي نصر الله حيث وجده عينًا مكشوفة تعيش تحت السماء لمائها ميزة وطاقات كبريتية»( 8).

الخامس: الأستاذ سامي صالح عبد المالك البياضي، أنقل منه: «حمام أبو لوزة في القطيف، ويوجد في بلدة التوبي بمحافظة القطيف على الطريق العام المؤدي إلى العوامية وصفوي (صفوى)، عند أطراف حاضرة القطيف، واستخدمت عين “أبو لوزة” في الماضي لعلاج كثير من الأمراض الجلدية، وآلام المفاصل والظهر بسبب حرارة مياهها والغازات المنبعثة منها؛ لذلك تم بناء الحمام فوقها مثل حمام تاروت، وحمام عين بدي بالأوجام، أما تاريخ تشييد الحمام، فلا يزال مثار نقاش لم يحسم، فهناك من يعتقد أن بناء الحمام على هذه العين يعود إلى حِقبةٍ أبعد من العصر العثماني، لكن من المؤكد – حتى الآن – أنه تم تعميره في الدولة السعودية الثانية في عهد الأمير فيصل بن تركي بن عبد الله (1259 1282هـ، 1843 – 1866م) على يد القائم بأحوال القطيف مهدي بن نصر الله، والحمام معماريًّا بني من مواد البناء المحلية من الحجر البحري، والجص وجذوع النخيل»( 9).

السادسة: الأستاذة مريم العبد العال، كتبت مقالاً طويلا في (العربية نت)، تحت عنوان: (قصة الحمّام الأثري الذي يحوي عيناً كبريتية في القطيف)، أقتبس منه: «على الطرف الغربي من محافظة القطيف شرق السعودية، انتصب هناك “حمّام” أثري . . . اتخذ مسماه “حمام أبو لوزة”. وكان صيادو اللؤلؤ يتوقفون في فصل الشتاء عن الصيد ليقصدوا عينه لتنظيفها. . . أقيم الحمام . . . بالقرب من عين أبي لوزة الحارة “الكبريتية”. . .

تاريخ البناء

وأما بناء الحمام فتتضارب الأقوال في تاريخ تشييده، فهناك من يرجعه إلى ما بين القرن الثالث أو الرابع الهجري في عهد القرامطة، أو إلى عهد العيونيين، بين القرن الخامس إلى السادس الهجري، وقول آخر يرجعه إلى ما قبل 500 عام، وذلك ما يدل عليه نمط البناء، وقد أعاد تجديد بنائه أحمد مهدي آل نصر الله حاكم القطيف، وذلك في عهد الأمير فيصل بن تركي بن عبد الله خلال حكم الدولة السعودية الثانية في القرن الثالث عشر.

وكان “الحمام” جزءاً من اهتمام “الطواويش” وأهالي قلعة القطيف . . .

العين الجوفية الكبريتية

ويصل عمق العين الجوفية ذات المياه الكبريتية . . . وهكذا وصولا إلى القاع الذي تنبع منه المياه. وقد عرفت طريقة الحفر هذه تاريخيا في منطقة الخليج العربي، حيث حفرت أغلب عيون القطيف بالطريقة ذاتها.

وتميّز الحمام بأنه بُني على طريقة غير مألوفة في المنطقة، فسقوفه القببية على خلاف أسقف حمامات العيون المنتشرة في أنحاء القطيف قديما، التي كانت تسقف بجذوع النخيل والمرابيع أو الألواح الخشبية، بينما “أبو لوزة” بني على شكل محاريب تعلو بعضها بعضا لتبنى فوقهم القبب . . . وداخل الحمام مكون من قسمين: واحد للرجال وآخر للنساء، صمما بمواصفات العمارة القطيفية، وهو مبني من مواد الحجارة والطين والجص وجذوع النخيل.

محتويات المبنى الأثري

ويحتوي الحمام على غرفة ذات شكل مستطيل تقع بمحاذاة نبع العين . . . وعلى طول الغرفة توجد “دكات” أو “الدقق” . . . وعليها يتم التدليك بعد الاستحمام . . . ولذا فقد أقام الأهالي فوق عين أبو لوزة هذا الحمام بطريقة هندسية . . . ومثلها كان حمام تاروت. وحمام عين بدي بالأوجام في محافظة القطيف.(10)

ــــــــــــــــــ

([1])جمع قصَّار: مبيض الثياب، أو غاسل الثياب. انظر محيط المحيط.

([2])العامل في هذه المهنة يسمى: الروَّاي.

([3])قدر الأستاذ محمد سعيد المسلم بُعدها عن الحمام بـ(20) مترًا، انظر: واحة على ضفاف الخليج – القطيف، مطابع الرضا، الدمام، الطبعة الثالثة، 1423هـ، 1991م، ص:42.

([4])مراجعة وتقديم كاتب التعقيب، وإصدار نادي المنطقة الشرقية الأدبي بالدمام، مطابع الشركة الشرقية، الدمام، الطبعة الأولى1435هـ، 2014م.

([5])النورة: مسحوق، يتخذ من الحجر الأبيض، يحرق، ويسحق فيصير ناعمًا، ويضاف إليه الزرنيخ، يستعمل هذا الخليط لحلق العانة، والاستعمال الآخر للنورة هو دهان جدران المنازل.

([6])واحة على ضفاف الخليج – القطيف، سبق ذكرهص:42.

([7])جريدة الرياض، السنة 33، العدد: 10342، الخميس: 5/6/1417هـ، 17/10/ 1996م، زاوية (الرأي للجميع) ص: 13.

([8])خيوط من الشمس، ؤسسة البلاغ، بيروت، الطبعة الأولى، 1420هـ، 1999م، جـ2/36 – 38

([9])الحمامات العامة الآثارية في المملكة العربية السعودية: تاريخها وآثارها، مجلة الفيصل، الرياض، العدد: 411- 412، أغسطس، 2010م، ص: 19، والرابط:

https://tinyurl.com/2cdfy22u

 

([10])الرابط:

https://tinyurl.com/3885wzx9

زر الذهاب إلى الأعلى

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×