أين ملعقتي؟!

محمد المصلي

 

اعتاد على الأكل في العزائم كما يأكل الجميع، يجلس على الأرض بعد نَشْرِ السُّفرة ووضع الفاكهة عليها، والأهم هو العَيش أي الرُّز إمّا الكبْسة أو المُفَطَّح وما يُنثر عليه من زبيب أو بعض المكسَّرات وما بينهما من عِتَادِ الولائم، وما يُوضع على السفرة من الجِحْ أو “لِروَيد” وبعض الليمون.

واعتاد أن يضرب بأصابعه العشرة في ذاك الصحن حتى يُفرِغ ما فيه وقد يَطلبُ غيره حين تأخذه السوالف ويَطِيب المَقام.

ولكن هذه الوليمة تختلف عن مثيلاتها، فالطعام هذه المرة يسمى “بُوفَيْه” وهذه أول مرة يرى “البوفيه” ويتعرف على شخصيته ومزاياه.

وما أن رأى طاولة المؤونة بهذا الشكل؛ وإن كانت مُغرية حيث تحمل أشكالا من المأكولات المشوية والمقلية ومن المشروبات الباردة والحارة، إلا أن التعامل معها هو ما يحرجه، فصار يتمتم لصاحبه “أنا ما أعرف لَيْها” “إنّا لله… من أين أبدأ ؟”، ولكن صاحبه حاول إنقاذه من هذا الموقف فأَسَرَّ إليه أن يكون خلْفه ويفعل مثل ما يصنع، بعدها اصطفّ في الطابور، ينظر لصاحبه ويقلّده فيما يأخذ من طعام، وقد بدأ بالصحن ثم الملعقة ثم صنوف الأكل المنوّع والشهي فصار يلتقط كما يفعل صاحبه، ولكنه كان يضيف كل نوع مرَّتين، حتى صار صحنه كأحد جبال الألب التي تحمل الثلج في الشتاء، واتجه المدعوون لطاولات الأكل وما أن بدأ الجميع باستخدام الملاعق صاح “أين مِلْعَقَتِي؟” وكررها مرة تلو الأخرى وصار ينظر يمينا وتحت الطاولة بحثا عن تلك الملعقة حتى يتمتع بهذا الأكل اللذيذ، فبادره صاحبه أسكت: إنها معك قال لا أراها، وأنا متأكد أنني أخذتها كيف آكل؟ وكل الناس عندهم ملاعق هل آكل بيدي؟ 

في هذا المحفل سينظرون إلي بِخِفّة.

وبعد البحث والتقصي قام صاحبه المسكين بتدارك الأمر المروِّع وأتى إليه بملعقة لينقذ الموقف العَوِيص والمسرحية الدّراميّة أو الفيلم المرعب، قبل أن يلتفت الحاضرون لهذه القضية المُضنِية، وتكون (فضيحة الملعقة) لموسم هذا العام.

وبعد أن استلم ملعقته هدأت أعصابه فصار ينظر لما جمعه مما لذ وطاب، وبدأ بالمضغ بكل شهوة، مرة بالملعقة وإذا لزم الأمر يَنكُثُه بأصابعه ويلعقه بلسانه وما أن بدأ يختفي الجبل الذي صنعه حتى بانت لمعه صغيرة وكبرت وظهرت الملعقة التي ضاعت حيث وضعها في صحنه وصار يضع عليها الأكل حتى غابت من كثرة الطعام، ولما علم الجميع قال صاحبه: ”ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض’‘ لانفضحنا ذلك اليوم نبحث “أين مِلْعَقَتِي؟”.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com