الملايين العشرة.. و “بعضهم”.. والحرمان من “حَبّ الجِحْ”…!

حبيب محمود

إذا كنت من الباحثين عن “مشكلة” في كلّ “حلّ”، ومن متسقّطي “العيب” من كلّ “ميزة”؛ فلن يكون صعباً عليك أن تعيب على زوجتك الأولى أنها كانت تحرمك حتى من إزالة “حب الجح”، قبل وضعه أمامك في المائدة، كما تقول تلك الطرفة الظريفة..!

منطق البحث عن الحرمان من “حب الجح”؛ هو ما حرّك “بعضهم“؛ بعد انتشار خبر مبادرة التبرع الخيري الذي أُعلنت عنه جمعية “الفردوس” في القطيف، قبل يومين، ليستولدوا منه قراءة “مفبركة” لواقع المبادرة المشكورة من أفراد في المجتمع. القراءة “المفبركة” المتوقَّعة “احْوَلّتْ” عيناها أمام النظر إلى البديهة في طبيعة “المجتمع المدني” التي يزعم “بعضهم” تبنّيه..!

وإلا فإن المشاركة المجتمعية موجودة في كلّ المجتمعات والدول. بل تكاد تكون قطاعاً رابعاً يتكامل والقطاع العام والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي.

الحكومات تؤسس التمويل، والقطاع الخاص يتبرّع، والقطاع غير الربحي يساعد، والأفراد يقدّمون ما يسعهم تقديمه، من مال أو جهد، أو حتى أفكار.

وأسلافنا العرب قالوا “من طلب عيباً؛ وجده“. وإذا وُجد دافع الباحث عن العيب في الميزة؛ فإن بالإمكان تحويل أي تبرعٍ خيري فردي في المجتمع إلى “تقصير حكومي”. وبما أن دور “بعضهم” يكاد ينحصر في تكييف الأحداث على خطّ إنتاج الفتنة والتأزيم؛ فإن صورة الملايين العشرة التي تبرّع بها مجتمع القطيف إلى مجتمع القطيف تحوّلت ـ بسبب حَوَل النظرة ـ إلى “حرمان حكومي تمييزي”، وكأن سكان القطيف ليس لديهم أماكن لتغسيل موتاهم..!

هكذا؛ بجرّة صوت نسائي، على خلفية مواقع مختلفة؛ يأتي فيديو “بعضهم” ليزيّف الواقع، ويتعمّد شطب قرابة 30 جمعية خيرية وتنموية في القطيف تموّلها الدولة، ويُشارك فيها القطاع الخاص من كل البلاد السعودية، وليس من القطيف وحدها، ويتبرّع لها الأفراد بالمال والجهد أيضاً.

وإلى جانب ذلك؛ هناك مغاسل موتى في كلّ مدينة وبلدة تقريباً، تمارس نشاطها مشاركةً بين دور حكومي يتمثّل في جهاز البلديات، وبين دور غير ربحي يتمثّل في الجمعيات الخيرية القائمة التي تعمل على مراعاة الخصوصية الفقهية في إجراءات إكرام الموتى، ودون أي تدخُّل حكومي في هذه المسائل الفقهية.

وجمعية الفردوس التي استهدفها التبرع الأخير نفسها؛ تأسّست على هذه الروح، فبعد منحها الصفة الرسمية من الدولة؛ تستعدّ الجمعية لعقد شراكاتٍ حكومية وأهلية، ليكون العمل في إكرام الموتى مؤسسياً منظماً، وضمن احتياج الناس، شأنه شأن كلّ مشروع غير ربحي في الوطن كله، مرعيٍّ ومدعوم عبر برامج كثيرة مهمتها الوقوف إلى جانب مشاريع التنمية الاجتماعية.

وقبل أيام ليست طويلة؛ كان الأخوة ـ أعضاء الجمعية ـ في زيارة لمركز إكرام الموتى في محافظة الخبر القريبة من القطيف، ليتعرّفوا إلى واقع المركز ومرافقه. وهو مركز غير ربحي أيضاً، وقائم على شراكة حكومية تمثّله أمانة الشرقية والقطاع الأهلي في الخبر. ويتمّ تمويله من خلال رجال أعمال في محافظة الخبر، ويخدم المدينة الأم، وجاراتها الثقبة والظهران والعزيزية.

فهل في الخبر “تقصير حكومي” إلى حدّ أن الناس “اضطرُّوا” إلى جمع تبرعات لإكرام موتاهم..؟

هذا ما يحدث في المجتمعات الحديثة.. وهذا ما يحدث في السعودية.. الدولة ترعى المشاريع غير الربحية، وتُشرك معها القطاع الخاص. وليس في ذلك ما يُشير إلى “تقصير” ولا “عجز” حكوميين.

بل على العكس، يُشير إلى نجاح العمل الحكومي في تعزيز علاقة “الدولة المدنية” و “المجتمع المدني”، وتطوير القطاع غير الربحي بوصفه أحد روافد التنمية الاجتماعية، لتتحقق الاحتياجات ذات الطابع الاجتماعي، وتتكامل الجهود.

إلا أن “بعضهم“، ما زالوا “يتحلطمون” بحثاً عن “حَب الجحْ”.. وسوف يشغلهم هذا البحث كثيراً. ولكنّ المطمئنّ هو أن الناس على درجة عالية من الانتباه إلى علاقتهم بوطنهم ومجتمعهم، وعلى دراية بما يُحاول “بعضهم” إنتاجه من “فبركة” كلّ قصة لتكون ضمن “الخط” الموجَّه.

اقرأ أيضاً

نسيمة السادة تكتب: لن أعيش في “مشمر” أمي

لن أعيش في “مشمر” أمّي..!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

 

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×