ورقة محمد الماجد: عبء الحقيقة.. في حضرة قاسم حداد

محمد الماجد

ماذا يستطيع مقدم أمسية حتى لوكان في بلاغة سحبان وائل أن يقول عن قاسم في خمس دقائق، أنا اعتبرت أن هذه مكيدة من منظمي الحفل في البداية ولكنني اكتشفت سريعاً بأنها مكيدة جميلة أيضاً…!

عبء الحقيقة

في حضرة قاسم حداد

هل تخيّل أحدٌ كيف بدأت قصةُ تلك القصيدة.. القصيدة، أو حتى كيف اندفعت بعجولها في أطوار من العود الأبدي،

حسناً

سأحاولُ أن مسك بالخيط من آخره

من: أيها الفحم، ياااااا سيدي

سأخبركم طرفاً من القصة فقط، طرفاً من اندفاعة عجول اللغة في منحدر القصيدة السحيق، لأن أحداً لا يستطيع اخباركم بحقيقة ما كان يفعله قاسم معها، مع تلك المسمّاةِ له، لاااااا أحد، فكلاهما: هو وهي، طالما تلبسا  أدوار الطرائد وانتخبا ضفة الوحش ليقوما بما يجب عليهما القيام به، دون أن يُفْرِطا في الزمن أو يتبجّحا برسمِ لحدود المكان، قاسم وحده من حمل عبء حقيقة ذلك كله، فقد قال عنها مرة وهي ما زالت في طور التشكيل، تسبح في مذاهب اللون، وتتقنع بوشاح من الفحم، بين يدي هولنديٍ مجنون اسمه فان خوخ، قال هي: “كيانان: نصف إله يخلق في الرسم عالماً يختزل فيه الروح المهيمن، ونصف بشر يسعى ويستدرك المنسيَّ من الله في الأرض”

وفيما يبدو لي، ولأستأذنك يا سيد هذا الفضاء، بأن بودلير، وبينما كان يعتصر مع فان جوخ فاكهة القرن التاسع عشر، كان قد غافل هذا الأخير بلكنة هولندية ركيكة وصلبَ دانديه الملعون في جذع تلك اللوحة، وأن ذلك الداندي كان يتنفس تحت قشرة  الفحم الرقيقة، فاستحالت معه روح فان جوخ إلى مسودة كثيفة من مسودات النار، إلى حريق هائل، سنعبر عنه لاحقاً بأنه اللوحُ الأكثرُ فتنةً من بين ألواح الآلهة، اللوحةُ إن شئت، بودلير يعلم ذلك، فان جوخ يعلم ذلك، وكتيبة من أصدقائك من ضمنهم ضياء العزاوي وإبراهيم أبو سعد وصالح العزاز يعلمون ذلك ويقولون بأنك كنت تعلم ذلك أيضاً، ولكن مع رجاء وحيد، وهذا استطراد مني، بألا تكون تلك الحقيقةُ الساطعة من (الصحيح الذي هو شكٌ خالص)، فلا أحد يتمتع بفضيلة الشك كما تفعل أنت، فالشكُ وحده قادك لتنقذ رقبةَ قيس وربما رقابَ العذريين جميعاً من مقصلة الرواة منزوعي الرحمة، فدفنت كلَّ تأويلاتهِم العذريةِ وتجديفاتهِم في حفرة وانحزت إلى جهة القلب.  

ولكن مالي وللعذريين ولقصة الفحم

لأنتقل إلى قصة أخرى…

لن أكون ضيفاً على مقدمةِ صبحي حديدي العريضةِ لمجموعتك الكاملة، ولن أضع كرسيّاً إلى جانب عباس بيضون، وسلمى الجيوسي، وكمال أبوذيب، وعلي البطل، ومعجب الزهراني، وعبده وازن … لن أتلصص عل سطورِهم المحمولةِ على سَنام تلك المجموعة، وليس على كاظم جهاد وهو يقدمك ضمن تكريم باريسي برعاية كرسي معهد العالم العربي، وبالتأكيد ليس على أدونيس وهو يحمل وجوهك: واحداً واحداً على أوتار أمير الكمنجة خالد الشيخ.

عرفتك طفلاً، شببتُ على شعرك، وهذا في ظني يغنيني – إن سمحت لي- عن الاستعانة بكل محبرات هؤلاء الأباطرة على عظمة وخطر ما قالوه فيك، وسأنحاز إلى جوهر النص أو إلى جمهرته: فثيو أو ثيودور، وقيس، والحسين، وطرفة، وخديجة، ومحمد، والمحرق، وقاسم نفسه كانوا أقوى شكيمة عليَّ وعلى القارئ من كل هؤلاء، ولا بأس، لأفاجئك قليلاً بالقول بأن عبد الحميد المحادين، المعلّم الذي أسدى لك، ثمَّ لنا جميعاً، نصيحة أنْ لا تتعلَّم الأوزان الخليلية فأنقذ موهبتك والشعر معاً، كان ربما الأقوى من بينهم، فٌتِنُّا بهم كما لم نُفتَن من قبل، نحن الذين لم ندخل عليك من أبواب متفرقة، وكما يقول المثل الحجازي “علقنا الباب وشنقنا العتبة”، علقنا الأبوابَ كلَّها، وشنقنا العتباتِ، عدا عتبةً واحدةَ أفضت بنا إلى باب الشوق، الباب الذي قلتَ عنه بأنه “يلج بكَ موج الليل مثلَ قارب غريب، تُحسنُ العومَ فتغرق، شُغل عن السّوى، وحده لك، وردة الجمر تزدهر كلَّما هبّت الريح”

ولكن مالي وللدخول فيمن كان أقوى شكيمة من الآخر

أدونيس أم ثيو

طرفة أم كمال أبو ذيب

المحرق أم عباس بيضون

لأدع الجميع وأنتقل إلى قصة أخرى

كنّا على مائدة الشِّعر مع عبد الله الصيخان قبل أسبوعين من الآن فجرى بيننا حديث هذا ملخصه:

  • أبو حمد لقد تأثر جيلنا بك وبمحمد الثبيتي وبعلي الدميني

وسارع هو ليسد عليّ الطريق

-ونحن يا محمد تأثرنا بجيل السبعينات البحريني وعلى رأسهم قاسم حداد

-حسناً أبو حمد، اذن لو أخذنا كل هذا النقاش إلى مختبر اللاهوت فسيكون قاسمُ وأترابُه من البحارنه العلّةّ التامة بالمفهوم الفلسفي لما نحن فيه من علل متشابكة تنتهي بشجرة عالية ربما أطلقنا عليها لضيق الخناق: قصيدةً حديثة، فاتكأ أبو حمد وقبض على هذه الخلاصة بيده، دسَّها في جيب قلبه، ثمَّ سرّح الهواء بيننا بسانحٍ من سوانح الطرب الأندلسي:

لم نعد نلمعُ إلا في الظلام

نحن أبناءَ الدروب الضيّقة

وأخيراً

هنا قصة أخيرة:

ثمة نشيدٌ آخر هنا يا سادة

ثمة ليلى هي قصيدتنا، صلاتنا الوحيدة هذه الليلة

سهرنا العمر في انتظارها

ولو قيل لنا: “ماذا لو أنها لم تكن”

لقلنا دون تردد: “لكنَّا بكينا البكاء كله لكي تكون”

وقبل أن يبدأ قاسم أحببت أن أنوه بأن هذه هي الدورة الأولى من الإصغاء للشعر، تستمر نصف ساعة، ثم حوار لنصف ساعة أخرى، ثم قصيدتان، وبعد ذلك نختم

والآن:

تفضل يا سيد هذا الفضاء

الهواء كله لك

زر الذهاب إلى الأعلى

 

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×