[1] يا لثارات الحسين.. من الواقع إلى الفلكلور قراءة في التاريخ والأدب والمجتمع

حبيب محمود

إذا فصَلنا “الفكر” عن “الفلكلور” شيعياً؛ فإن المحصّلة البدَهية هي سقوط شعار “يا لثارات الحسين” منطقياً من الفكر، على مستوياته العقَدية والفقهية جميعها.

ليس لدى فقهاء الشيعة المجتهدين، ولا المتكلّمين منهم، ما يُعرف بـ “ثارات” ذات علاقة بمقتل الإمام الحسين. لكنّ هذا الشعار يلقى رواجاً سنويّاً كلّما احمرّ هلال محرم، وكأنه أيقونةٌ شعبية أساسية في شجى الشهر الحزين.

هذا الشعار يؤذي الشيعة أكثر مما يعود عليهم بشيء آخر. لا أحد على سطح الأرض يُمكِنُ أخذُ ثأرِ الحسين وأصحابه منه اليوم، ولا أمس، ولا حتى في بداية القرن الثاني الهجري.

على ذلك؛ فإنه شعارٌ جَمعيٌّ وجدَ لنفسه امتداداً في تاريخ الشيعة، وشجنهم العاشوري، وأدبياتهم السنوية، مختلطاً وممتزجاً بعقيدتهم الانتظارية. أعني تلك المسكونة بانتظار “المهدي المنتظر” الذي “سوف يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجورا”.

ومثلما بقي الحسين رمزاً لكثافة وقوع الظلم والجور؛ بقي “انتظار فرج الله” إحساساً مستمرّاً يُغذّي شغف الانتظار، وأمل “القسط والعدل” على يد “القائم” الذي ـ حَسْب الفلكلور ـ سوف يأخذ بثأر الحسين أيضاً ممن ظلموه..!

منشأ الشعار

تاريخياً؛ حُمِل شعار “يا لثارات الحسين” في ثورة المختار الثقفي الذي انتقم من بعض قتلة الحسين، قبل أن يُقتل لاحقاً. حمل المختار وأنصاره راية الثورة ضدّ الأمويين، ونصره المكسورون بقتل الحسين والنادمون على خذلانهم إياه في كربلاء، ومن أدركوا ساحة المعركة بعد إغراقها بدم سبط النبيّ..!

يقول التاريخ إن المختار قتل الرؤوسَ الكوفية الكبيرة التي تورطت بدم الحسين:

قتل عُبيد الله بن زياد بن أبيه، والي يزيدَ على الكوفة، ومُرتّب معركة كربلاء الدامية،

قتل قائدَ جيش يزيد في كربلاء عمر بن سعد أبي وقّاص،

قتل الشمر بن ذي الجوش الذي قطع رأس الحسين بنفسه،

قتل حرملة بن كاهل الذي يعرفه حتى أطفال الشيعة بأنه قاتل “عبدالله الرضيع” في حجر أبيه الحسين بسهم مثلث..!

كان الثأرُ حاضراً في كل تفاصيل حركة/ ثورة المختار. الثأر كما يعرفه العربيُّ تماماً. قُطعت رؤوس القتلة كما قُطعت رؤوس الحسين وأنصاره. وجيء بها إلى المختار كما جيء برؤوس الحسين وأصحابه إلى ابن زياد ويزيد من قبل.

وبعض روايات التاريخ تقول إن المختار أرسل رأس عبيد الله بن زياد إلى محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية. فما كان منه إلا إرسال الرأس إلى ابن أخيه الامام علي بن الحسين.

وفي هذا الترتيب مغزىً ثأريٌّ واضحٌ جداً. فالمختار لم يُرسل الرأس إلى علي بن الحسين، وهو “الإمام” بعد أبيه. بل أرسل الرأس إلى أخي الإمام الحسين وهو ليس “إماماً”. إنه الإجراء الثأريّ التقليدي في الثقافة العربية. أن تذهب إلى أخِ القتيل، لا إلى ولده.

هذا الثأرَ المأخوذ تقليدياً، طبقاً للثقافة العربية، امتزجَ بحسٍّ عقَديٍّ أيضاً. فأصحاب الثأر ـ تقليدياً ـ هم بنو هاشم إجمالاً، وأبناء عليّ بن أبي طالب على وجهٍ خاص. وعلى هذا فإن المختار القادم من قبيلة ثقيفٍ وأنصاره أخذوا الثأر بالإنابة في سياق ثورتهم/ حركتهم في وجه بني أمية.

المثير للتساؤل؛ هو أن الإمام علي بن الحسين لم يتدخّل مطلقاً في حركة/ ثورة المختار. ولم يُروَ عنه سوى مباركة ما فعله بقَتَلةَ الحسين وأصحابه. وهذا ما كان عليه بنو هاشم أيضاً.

[يُتبع]

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com