أيها القطيفيون.. قولوا: “أحْ”، “أبَّهْ”، وتجاهلوا “الهيس الأربَد” إلى “أبد الآبدين” كلمات من عمق اللغة العربية الفصيحة والشعراء العرب يعرفونها

استقصاء لغوي يدرس فصحة اللسان القطيفي

صُبرة: خاص

يبدأ، اليوم، الشاعر والباحث عدنان السيد محمد العوامي رصد الأدلّة على فصاحة لهجة القطيف العامية، ليس بإعادتها إلى المعاجم الفصيحة فحسب، بل وبأدلة إضافية من الشعر العربي القديم.

وتنشر “صُبرة” في هذه الحلقة جزءاً من كلماتٍ تبدأ بحرف الهمزة، فيما تنشر غداً جزءاً ثانياً من الحرف نفسه.

 

أبد الآبدين

من عباراتنا العامة: أبدْ، بتسكين الدال، وأبْدًا، بتسكين الباء، وأبَد الآبدين، وأبد الأبيد، وقد اختفت هذه العبارة، أو كادت، لكن بعضها زال يسمع في بعض ردَّاتنا في العزاء الحسيني:

“أبدْ والله ما ننسى حسيناه”!

وهي عبارة فصيحة تزخر بها كتب الأدب، والأمثال. قال ذو الرمة، من بحر الرَّجَز:

هل تعرف المنزل بالوحيد؟    

قفرًا عفاه أبَدُ الأبِيد([1])

وقول ابن الرومي:

إليكَ، سُلالةَ الطَّحَّان، أحدو    

بها صمَّاء كالحجر الصلودِ

تَرُمُّ عظامَ لابسها وتُبْلي      

ولا تَبْلى على أبد الأبيدِ

وهي من قصيدة مطلعها:

أدارَ العامريَّة بالوَحيدِ      

سقاك مُجَلْجَلٌ هَزَجُ الرعودِ([2])

وقال بطرس كرامة:

خذ بنتَ فكرٍ أقبلت تبتغي      

عفواً، فلا زلت من المحسنين

دُرِّيَّةَ الألفاظ تيَّاهةً      

بمدحك الزاهي على المادحين

واسلم ودم يا ذا العلى نائلاً      

عزاً ومجداً أبدَ الآبدين([3])

الأباط

أصلُه الإِبْطُ، كما في اللسان: إِبْطُ الرجل والدوابّ. ابن سيده: الإِبْطُ باطِنُ المَنْكِب. غيره: الإِبط باطن الجَناحِ، يذكَّر ويؤَنَّث والتذكير أعْلى، وقال اللحياني: هو مذكر وقد أَنثه بعض العرب، والجمع آباط. وحكى الفرَّاءُ عن بعض الأَعراب: فرَفَع السوْطَ حتى بَرَقَتْ إِبْطُه؛ وقول الهذلي:

شَرِبْتُ بجَمِّه وصَدَرْتُ عنه،        

وأَبْيَضُ صارِمٌ ذَكَرٌ إِباطِي

 أَي تحت إِبْطِي. هذا هو المشهور، لكن ما دامت النسبة إليه إباطي، فقد ورد في الشعر بلفظ الأباط.

قال العجاج، من بحر الرجز:

ثُمّتَ كَرَّ ساخِطَ الإِسخاطِ

يَحُوذُهنَّ رَهبَةَ الخِلاطِ

بِوَلقِ طَعنٍ كَالحَريقِ الشاطِي  

وَخْطاً بِماضٍ في الكُلى وَخّاطِ

يُفَجِّرُ اللَبّاتِ بِالإِنباطِ                  

شَكّاً يَشُكُّ خَلَلَ (الأباط)

شَكَّ المَشاوي نَقَدَ الخَمّاطِ([4])

وقال رُؤبة بن العجاج:

لَو أَحْلَبَتْ حَلائِبُ الفُسْطاطِ     

عَلَيْه أَلْقاهُنَّ بِالبَلاطِ

ناجٍ يُعَنِّيهُنَّ بِالإبْعاطِ      

وَالماءُ نَضّاحٌ عَلَى الأباطِ([5])

أبَّه!

أبَّهه: نبَّهه، وفَطَّنه (انظر محيط المحيط)، وفي القطيف يقولون: “أبَّه، ما عليك”، يريدون: احذر، وانتبه، ولا تنخدع. قال رؤبة بن العجاج:

هَرَّجْتُ فَارْتَدَّ ارْتِدادَ الأَكْمَهِ      

فِي غائِلاتِ الخائِبِ المُتَهْتَهِ

لَوْ دَقَّ وِرْدِي حَوْضَهُ لَمْ يَنْدَهِ      

وَطامِحٍ مِنْ نَخْوَةِ التَأَبُّهِ

كَعْكَعْتُهُ بِالرَجْمِ وَالتَنَجُّهِ      

أَوْ خَافَ صَقْعَ القارِعَاتِ الكُدَّهِ([6])

أح!

كلمة يقولونها عند الإحساس بحرارةٍ أو حرق، ونحوه، وللطفل يحذِّرونه من لمس شيء ضارٍّ أو مؤذٍ، وفي اللغة: أَحّ: حكاية تنحنح أَو توجع، وأَحَّ الرجلُ: رَدَّدَ التَّنَحْنُحَ في حلقه، وقيل: كأَنه تَوَجُّعٌ مع تَنَحْنُح. انظر: (التاج). أما ما جاء منها في الشعر، فقول ابن المقرب العيوني:

فَإِمّا حَياةً لا تُذَمُّ حَميدَةً      

يُحَدِّثُ عَنها مَن أَغارَ وَأَنجَدا

أَنالُ المُنى فيها وَإِمّا مَنِيَّةً      

تُريحُ فُؤاداً أَحَّ مِن غُلَّةَ الصَدى([7])

وقول أبي بكر بن عبد الله الشاذلي:

ربّ هول في هواكم هالني      

وعذول فيكمُ قد لامني

وفتون ذقته يا فاتني    

ما على من قال آحٍ من جُناح

إن طول البعد أدمى ناظري      

واشتياقي حرقة في خاطري

ذا ودمع العين آذى ناظري      

إن قولي أح مما بي مباح([8])

وقول محمد بن عبد الله بن يحيى الحسيني الكوكباني، اليمني.

أحِ! مِن قَلبي وَمن طَرفي مَعا      

أَسهراني، عذَّباني، أَوجعا

واستِجابا لِلهَوى لَمّا دَعا      

صِرتُ مِن قَلبي وَطَرفي ممتحن

أح! مِن طَرفي وَمِن قَلبي الكَئيب

أح! مِن شَوقي ومن هجر الحَبيب

أح! ما لي مِن لِقا خِلّي نَصيب      

أح! من يُعلِم حِبِّي؟ آح من!؟([9])

وقول حمدون بن عبد الرحمن بن حمدون السلمي المرداسي،

الفاسي:

خيمةٌ ما بها سوى قائلٍ: أح      

وبها مدَّ صوتَهُ وترنَّح

منهُمُ مشتكٍ صداعاً، ومنهُم       

مُشتَكٍ مشيَ بطنِهِ حين أصَبح([10])

أربد

الأربد عندهم: الخامل، الذي لا همة له، فكأنهم استعاروا المعنى مِن رَبَد بالمكان: أقام به. تسأل أحدَهم عن شخص، فيجيبك: “خله يولي، هيسٍ أربد. مالك به!”. قال ابن الأبَّار:

صَرَخَ النّاقوسُ يَبكِي يَوْمَهُ      

لِتَنَاهِي عُدَدٍ أوْ عَدَدِ

وَاقْتَدَى الرُّهْبَانُ فِي نُدْبَتِهِ      

بِلَبيد في أَخيهِ أرْبَدِ([11])

أفّْ

كلمة تضجر وتبرم، يقولونها عند الضجر من شيء أو الضيق به. وردت في الشعر الفصيح في قول جحظة البرمكي، أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد البرمكي:

 وَصاحِبٍ إِن جِئتُهُ قاصِداً       أَخَذتُ مِنهُ العِلمَ وَالظَرفا

حَتّى إِذا ما جِئتُهُ زائِراً       

لَم أَلقَ لا ناناً وَلا أُفّا

وقول المفتي عبد اللطيف بن علي فتح الله:

نَهاري وَلَيلي بِالصّبابَةِ هائِم      

وما قلت – حين الوجد – آهِ ولا أُفَّا

——–

([1]) المستقصي في أمثال العرب، تأليف أبي القاسم، جار الله محمود الزمخشري، طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد، الدكن، الهند، الطبعة الأولى، 1381هـ 1962م، جـ2/243.

([2]) ديوانه، شرح وتحقيق عبد الأمير علي مهنا، منشورات دار ومكتبة الهلال، بيروت،  الطبعة الأولى، 1411هـ، 1991م، جـ2/236 – 238.

([3]) سجع الحمامة أو ديوان المغفور له المعلم بطرس كرامة، المطبعة الأدبية، بيروت، 1898م، ص: 299.

([4])ديوانه، تحقيق د. عبد الحفيظ السطلي، مكتبة أطلس، دمشق، الطبعة الأولى، د. ت.  جـ1/ 397 – 398.

([5]) مجموع أشعار العرب، وهو يشتمل على ديوان رؤبة بن العجاج، اعتنى بتصحيحه وترتيبه وليم بن الورد البروسي، دار ابن قتيبة، الكويت، د. ت.  ص: 87.

([6]) مجموع أشعار العرب، مرجع سابق،  ص: 166.

([7]) ديوانه تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو، نشر مكتبة التعاون الثقافي، الأحساء، السعودية، الطبعة الثانية،  1408هـ 1988م، ص: 156.

([8]) المصدر السابق، الرابط: https://goo.gl/4ynNhk.

([9]) ديوانه  نسخة إلكترونية، موقع بوابة اشعراء، الرابط: https://goo.gl/bpcKQc.

([10]) ديوانه  نسخة إلكترونية، الموقع السابق، الرابط: https://goo.gl/eTFE6T.

([11]) ديوانه، قراءة وتعليق عبد السلام الهراس، إصدرارت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، 1420هـ، 1999م، ص: 162.

 

يُتبَع غداً.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com