متقاعد مسكون بمدرسته.. عشرة “الطباشير” لا تهون على قلب جابر آل خلف كلّ ثلاثاء يحمل إفطاره ويشارك زملاءه السابقين منذ 13 سنة

إعداد: ليلى العوامي

قبل 51 سنة؛ أمسك بطبشوره الأول معلماً في ابتدائية العلاء بن الحضرمي في رحيمة. كان في سن الـ 20 بالتمام والكمال. والآن هو في الـ 71 من العمر. وقد تقاعد سنة 1431هـ. ومنذ تفرّغ لحياته الخاصة قبل 13 سنة؛ لم يترك زيارة آخر مدرسة عمل فيها، مدرسة أبي بكر الرازي، في صفوى.. وآخر زيارة له؛ كانت أمس الثلاثاء 4 أكتوبر 2022م.

ساعة واحدة من صباح كل يوم ثلاثاء؛ يُمضيها المعلم جابر على محمد آل خلف مع زملائه السابقين في المدرسة، من الـ 9 إلى الـ 10، وكأنّ التعليم لم يُغادر قلبه، وكأن في داخله رائحة الفصول، ومشهد التلاميذ، وصوت الجرس.

إذا قلنا الحنين فهو كذلك، وإن عبرنا عنها بـ الانتماء فقد يكون ذلك سبباً قوياً، و قد يكون الرغبة في البقاء مع الزملاء والاطمئنان إلى أحوالهم عن كثب. وفي النهاية هو الوصل والوصال المحفوف بالأخوة؛ وكل الأسباب تؤدي إلى هذه آخر عهد من حياة التعليم الطويلة.

جيل 1/7

جابر من الأجيال الذين حملوا ١/٧ علامةً على تحديد تاريخ ميلادهم، أما سنة ميلاده في 1373هـ، وقبل أن يشمّ رائحة الطباشير؛ تقرفص في “المعلّم” ليدرس “الهجاء” و “الإعراب” عند بعض نساء صفوى التي كانت وقتها قرية. وهو يتذكر منهنّ قريبته؛ زوجة المرحوم ملا حسن أحمد آل خلف.

في عمر 14 سنة؛ تحديداً سنة 1387؛ حصل على شهادة الدراسة الابتدائية، من المدرسة الوحيدة في صفوى وقتها، ابتدائية علي بن أبي طالب، عليه السلام، التي ما زالت موجودة حتى يومنا هذا. كان فريح الشرطان، رحمه الله، مديرها. ثم حصل على شهادة المرحلة المتوسطة من مدرسة صفوى المتوسطة عام ١٣٩٠هـ، ومديرها وقتها عبد العزيز التويجري.

وقتها كانت الشهادة المتوسطة تؤهل الطلاب للدراسة في معهد المعلمين بالدمام، وبالفعل؛ التحق الخلف بالمعهد ليتخرج عام ١٣٩٣هـ، وكان مديرها محمد اليحيى. ولذلك يُعتبر الخلف من جيل المعلمين الذين بدأوا مشوار العمل التعليمي مع عام 1393. وهناك أسماء كثيرة في محافظة القطيف دخلوا السلك في تلك السنة.

وكانت هذه الشهادة كافية ليصبح الخلف معلماً، وهكذا وقف أول مرة أمام الطلاب في رحيمة، ابتدائية العلاء بن الحضرمي التي أمضى فيها 4 سنوات. وبعدها انتقل إلى مدرسة حمزة بن عبدالمطلب في رحيمة أيضاً.

لكنّ فرصة تطور جديدة سنحت أمامه، فأكمل الدراسة في الكلية المتوسطة للمعلمين في الدمام، ليتخرج عام ١٤٠٠هـ متخصصاً في تعليم الرياضيات والعلوم. وكان مديرها محمد المنصور.

إلى صفوى

انتقل الخلف إلى العمل في مسقط رأسه، صفوى التي صارت مدينة، وعمل في مدرستين: الأولى مدرسة عبدالرحمن الغافقي من عام ١٤٠٣ إلى عام ١٤٢٤هـ، والثانية مدرسة أبي بكر الرازي من عام ١٤٢٤حتى تقاعده عام 1431هـ.

وفي المدرسة الأخيرة؛ جمعته الأخوة والصداقة مع زملاء الوظيفة الذين كان من الصعب عليه فراقهم.. يقول “كنت مع مجموعة زملاء أعزاء يعز عليّ فراقهم، وما يزال بعضهم على رأس العمل، أذكر بعض منهم “أبو شهيد” حسن علي آل جعفر، ووجدي سعيد المرهون، ومنير أحمد اليوسف”.

سببان جعلا المعلم جابر آل خلف يواظب على زيارة مدرسته أبو بكر الرازي بعد التقاعد.. يقول “الأخوة بيني وبين إدارة المدرسة ومعلميها.. وحبي للمدرسة من إدارة ومعلمين وعمال وطلاب، فكلهم أعتبرهم أصدقاء وأعزاء يصعب عليّ فراقهم”.

ذاكرة وفية

ذاكرة آل خلف ما زالت طرية بالوفاء لزملاء قدماء جداً، فهو يتذكر “إبراهيم الحميد في مدرسة العلاء بن الحضرمي، ومحمد علي الحنابي في مدرسة حمزة بن عبد المطلب”.

ومن مدرسة عبدالرحمن الغافقي يتذكر “دواس مبارك الخالدي، علي حسين آل فريد”.

وفي المدرسة التي تقاعد منها  يتذكر “علي حسين آل فريد، ومحمد دغيليب الشمري، ومحمد أبو شريفة”.

وكل هؤلاء مدراء..

أما المعلمون فيتذكر بعضهم، منهم “رضي حسن الخلف، والمرحوم محمد عبدالله العيسى، والمرحوم عبد الحميد آل فريج،  وسعيد سلمان العوامي، وفؤاد محمد القصاب، وعبد الكريم عبدالمحسن بو علي، وشريف سلمان الصفواني”. كما يتذكر من زملاء الكلية المتوسطة “صالح الصريخ ، وعبدالله الدوسري ،وحسان الراوي”.

أعمق من المودة

مدرسة أبي بكر الرازي ضُمّت بمدرسة صفوان بن أمية، ومديرها الحالي هو إبراهيم البراهيم، وهو الذي اقترح على “صُبرة” تسجيل وفاء المعلم الخلف لعمله وزملائه في هذا التقدير.. ويقول البراهيم “عرفت المعلم جابر قبل سنوات قليلة، في الفترة التي كنت فيها مديرًا للمدرسة قبل تقاعده.. وبعد مغادرته المدرسة بدأ يزور المدرسة، وفي البداية؛ حملنا الموضوع على محمل المودة المعروفة عنه، لكنّ تكرار الزيارة كل يوم ثلاثاء؛ نبّهنا إلى ما هو أعمق من المودة، ففي كل أسبوع يحضر إلى المدرسة، ومعه إفطار للزملاء، وقد استمرّت هذه العادة منذ أكثر من 10 سنوات، ولا يتخلف عن موعد “الثلاثاء” إلا إذا كان مسافراً أو معتمراً، وبسبب هذه العادة تعرف إلى معلمي المدرسة الجدد ومديري المدرسة أيضا الجدد”. يضيف البراهيم “وقتها يتصل بالزملاء ليعتذر عن زيارتهم بسبب السفر”.

حتى في فترة الجائحة؛ لم يغب جابر الخلف عن زملائه.. يقول البراهيم “كان يأتي حاملاً البسكويت والشوكولاتة والعصيرات تعويضاً عن إفطار الصباح.. كان ذلك يحدث حتى في دوام الفترة المسائية”.

ويقول البراهيم “أمس الثلاثاء 8 ربيع الأول، 4 أكتوبر، حضر إلى المدرسة كعادته.

زر الذهاب إلى الأعلى

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×