عاد الحجاج سالمين.. وحفلة “دوخلة” خاصة في التوبي من أين جاء كلام الأنشودة القديمة "يقشّرها عبدالله.. وياكلْها سلمان"..؟

ذاكرة الشاعر العوامي تستعيد ما حدث في حج سنة 1366

عصير الرمان لـ “الصّخونة”، و 4 أمّهات لكل طفل..!

ذكريات حاج صغير

عدنان السيد محمد العوامي

الحلقة الأخيرة

في اليوم الثامن من ذي الحجة: (يوم التروية) عاد بعضٌ من الأحمال إلى مكانه على السيارتين من جديد، أما هما فقد استعادتا أنسهما بركَّابِهما مضاعفًا؛ لما كان يتردَّد عليهما من ترانيم التلبية لله جل وعلا من أفواه الحجاج أثناء الطريق إلى منى. وغير هذا لا يتذكر الحاج الصغير شيئًا غيرَ عاديٍّ، فمناسك الحج معروفة، لا تغيُّر فيها زمانًا ولا مكانًا.

شيء واحد ما زال يتذكَّره لا أثر له اليوم؛ ذلك هو منظر مفارش البواري، والحُصُر (فرش من القصب والخوص)، والطرابيل المنتشرة في أرض منى عليها القديد (اللحم المقدَّد) يجفف تحت وهج الشمس.

بعد إتمام المناسك شُدَّت رحال العودة إلى البلد، فكانت الطائف هي وجهة القافلة، وفي الطريق إليها اجتازت بالسيل، ومن الطائف تزود الحجاج بالرمان الطائفي المشهور بلذَّة مذاقه، ثم انحدرت القافلة تلقاء الحويَّة، ثم عُشيرة. حين وصولهم هذه المحطة كانت زائرة (أبي مُحسَّد) في ضيافة الحاج الصغير، وقتها لم يكن قد سمع بأبي محسد ولا بقوله الشهير في الحمَّى:

وَزائِرَتي كَأَنَّ بِها حَياءً

فَلَيسَ تَزورُ إِلّا في الظَلامِ

بَذَلتُ لَها المَطارِفَ وَالحَشايا

فَعافَتها، وَباتَت في عِظامي

يَضيقُ الجِلدُ عَن نَفَسي وَعَنها

فَتوسِعُهُ بِأَنواعِ السِقامِ

فنصحت الحجية أم عباس السيهاتية (هذا كل ما عرف من اسمها) – نصحت بإعطائه شربت الرمَّان، فهو مفيد للصخونة في نظرها، ولم تنتظر الموافقة من أحد، بل قامت بنفسها ففتحت الخيشة (كيس الجوت)، وأخرجت منها الرمان، وشرعت في فلقه؛ ونثر حباته في الميمچة (1) (الصحن).

بين الصبايا

كان الوقت عصرًا، وكان جمعٌ من نساء وصبايا البلدة يُحِطن بحلقة الحاجات، وكانت عين أمه تحملق في صبية بهرتها بروعة جمالها المتعالي على أسمالها المهترئة، فلم تخفِ دهشتَها منها، فهمست لأم عباس: “شوفي هالمچبوبة ويش حلاونها!؟”. ويبدو أن إحدى الواقفات كانت ترابص (تتربص)، متحيَّنة غفلة، فجثت خلف أم عباس، ومدَّت يدها من تحت إبطها إلى صحن الرمان، فأحست بها أم عباس، فشدت زندها إلى خاصرتها، فكادت المسكينة تصرخ من شدة الألم.

رقَّت أمه لحالها، فلامت أم عباس بلطف، وأعطت المسكينة رمانة، بشرط ألا تُريها لأحد من أهل بلدتها، وإلا عادت (معركة رماح) من جديد.

في الدبيبية

من عشيرة سارت القافلة إلى عفيف، ومنها إلى الدوادمي، ثم مرات، لتعود إلى طريق الذهاب السابق، ولا شيء جديدًا؛ فالتغاريز قدرٌ لا مناص منه، ومثلها مضيق البويب لا بد من تسلقه، وهتافات المستقبلين بالصلوات على محمد وآل محمد، على جانبي الطريق من مريجب (مريقب) غربي سيهات، إلى سيهات، وزحام المهنئين في لستيشن (موقف السيارات)، عند برج الدبيبية، ومشهد العناق ومظاهر الفرح بالسلامة، خصوصًا بعد التأكد من أن جميع الحجاج عادوا سالمين، ولم يفقد منهم أحد، لا بالموت ولا بالضياع – هذه كلها لا تحتاج كلها إلى تفصيل.

في التوبي

لم يفاجأ الحاج الصغير بتمثاله إلى جانب تمثال والديه، في صدر الغرفة، ولكن ما أدهشه هو (الدوخلة) المعلقة في شمسة البيت، مزهوَّةً بنباتاتها الخضراء.

لم تنسها أمه الثانية سلامة (2)، فجهَّزتها، وظلت ترعاها، وتتعهدها بالسقاية حتى يعود إليها، لم يكن ذلك كُلُّه حرصًا منها على إسعاد (عدلان) (هكذا كانت تسميه)، بل كان بتوصية من أمه قبل مغادرتها للحج، فقد قرَّ في نيتها أن تخرق العادة وتقيم لوحيدها حفلة (مهرجان) دوخلة خاصًّا به، عند عودته، ففي اليوم الثالث للوصول، استدعت الصبي (العامل) مبارك، وأوصته أن يجهز الذبائح، ويحضر الطباخين لطبخ الغداء، وأوصت سلامة أن تعزم نساء البلدة على الغذاء غدًا في نخل (أم الوز)؛ لأجل أن يستعيد الأطفال بهجتهم ومرحهم، ولشاركوا وحيدها فرحه بتسيير دوخلته في نهر عين الفوارات القريبة من النخل (3).

مع الدوخلة

بنهاية الاحتفال عصر ذلك يفترض أن يكون الستار قد أسدل على هذه الذكريات، لكن حكاية الدوخلة تستوجب وقفة ولو قصيرة، فمع أنها لم تمَّح من الذاكرة، لكن لا بأس في لمحة سريعة، فـ(ـالدوخلة)، لفظ عربي معناه سفيفة (سُفَّة صغيرة) من الخوص، وبعض القرى يسمونها (سعنة)، وهي أيضًا فصيحة (4)،وأهل بعض القرى يسمونها (الحيَّه بيَّه)، وظيفتها في الأصل: مزادة، يضع فيها العامل زوَّادته من الطعام فلاحًا كان أو بحارًا، هذا في الأصل، أما في مناسبة الحج فبعد مغادرة الحجاج يعمد الأطفال بتحضيرها بوضع التربة والسماد فيها، وسقيها أيمًا، ثم يضعون فيها بعض بذور لنباتات سريعة النمو كالريحان ونحوه، وفي عصر اليوم العاشر من شهر ذي الحجة يذهبون لأحد إلى الشاطئ وفي القرى والبلدات البعيدة عن الشاطئ يذهبون لأحد أنهار العيون القريبة من البلدة ويجتمعون وطلقونها تعوم في الماء وهم ينشدون الأناشيد، وكل بلدة لها أناشيدها، لكن أشهرها:

دوخلتي، حجِّي بي، حجي بي

إلين إجي حبيبي، حبيبي.

حبيبي راح مكة، مكة

أو مكة المعمورة المعمورة

فيها السلاسل والذهب والنورة، والنورة

كنت قد كتبت عن هذا التقليد وأرجعت جذره التاريخي، إلى احتفال (حدائق أدونيس)، التي كان الفينيقيون يقيمونها احتفاءً بموسم الزرع، ويمكن للراغب الرجوع للمقال(5)، لكن هنا أود التنبيه إلى أن الأنشودة سالفة الذكر أدخلت فيها أبيات ليست منها، وهي:

ياليتها لُومِيَّة

مزروعة في البستان!

يگشُّرها عبد الله
وياكلها سلمان

سلمان يابو جوخه

يامراطن العجمان

طلوا خواتي طلوا

شوفوا البحر طَميان

شوفوا شراع أبيي

أبيض من الكتَّان (6)

شوفوا شراع العدو

أسود من الدخّاَن (7)

إلخ.

هذه الأبيات لا علاقة لها بالدوخلة، ولا المناسبة بتاتًا، وليست من أهازيجها، وإنما هي تحكي قصة معركة بحرية يؤرِّخ النبهاني وقوعها في سنة 1225هـ بين (آل خليفة) حكام البحرين من جهة، وآل سعود يساندهم رحمة بن جابر العذبي الجلهمي من الجهة الثانية، وفيها انتصر آل خليفة بتدبير عبد الله بن أحمد بن سلمان آل خليفة، وشجاعته، لكن الحكم أعطِي لأخيه سلمانَ بحكم كونه أكبر سنًّا منه (8).

————

 (1) أظن أنها تحريف نيمچة، وتنعي: قصير، صغير، ناقص، توسعوا فيها إلى الصحن الصغير. انظر المعجم الذهبي، محمد ألتونجي.

(2) كانت لنا أمهات غير اللواتي ولدْننا، فالمرضعة أم، والخادمة أم، والمولدة، (وتسمى الحبَّابة أيضًا) أم، وسلامة هذه خادمة، لكنها تعامل كأحد أفراد الأسرة.

(3) أم الوز: بستان في التوبي، ينذر إليه، وتقام فيه حفلات الختان، والأعراس، التي تصحبها نذور، كنخل الغميري في العوامية ومسجد الخضر بتاروت، والدالوة بالجش، وعين بدي بلاجام، وغيرها.

(4) قال الزبيدي: قال ابنُ السِّكِّيت: الدَّوْخَلَّةُ بالتشديد وتُخَفَّف: سَفِيفَةٌ تُنْسَج من خُوصٍ يُوضَعُ فيها التَّمرُ. ونَصُّ ابنِ السِّكِّيت: يُجْعَلُ

فيه الرُّطَبُ، والجَمْع: الدَّواخِيلُ، قال عَدِيُّ ابن زَيد:

بَيتَ جُلُوفٍ بارِدٌ ظِلُّهُ            فِيه ظِباءٌ ودَواخِيلُ خُوصْ

انتظر تاج العروس، وعن السعنة، انظر اللسان.

(5) انظر مقالنا: الفولكلور الشعبي في القطيف – جذوره الحضارية، مجلة الواحة، العدد 39، الرابط:

(6) بعضهم يبدلها بـ(أبيض من القرطاس).

(7)بعضهم يبدلها بـ(أسود من الطفو)، والطفو، في لهجة أهل القطيف: الرماد.

(8) التحفة النبهانية، محمد بن خليفة النبهاني، ص: 134 – 141، ومن تراث شعب البحرين، محمد علي الناصري، الفصل (10)، ص: 193، 194، 215، 216.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com