قصة صباح غير سعيد برفقة مُدمن صيد طيور ترسانة أسلحة بدائية للفتك بذوات الريش

وعد والدته بـ "كبسة" نوارس.. وباع 3 بومات بـ 250 ريالاً

فيصل هجول *

تُسقط بندقيته كلّ شيء يطير.. إلا البلبل والهدهد.. يرى صيدهما جريمة

احتجتُ إلى قرابة عام لأقنعه بأنني مجرد مهتمّ بالبيئة والطيور، ولا أمثّل أية جهة رسمية يُمكن أن تلاحقه أو تحاسبه على ما يفعل. وأن كلّ ما أريده هو الاطلاع على تجربته في صيد الطيور. هو شاب أدمن الصيد، حتى أنه قد يمرض لو مرّ يوم من دون أن يوقع طيراً في واحد من فخاخه. وأنا على النقيض منه؛ أكره المساس بذوات الريش.

لدى كلّ منا موقف ضدّ موقف الآخر، ورأيه، وأسلوبه، ومبدئه. ورغم هذا التضادّ بيننا؛ وافق ـ بعد عام من الإلحاح ـ على مرافقته في يوم صيدٍ ممتِع عنده، مؤلمٍ عندي…!

نهار 24 نوفمبر

كما هو حال كل نهاية أسبوع، أنهض مبكراً قبيل طلوع الشمس، أحمل الكاميرا، وأتوجه نحو مناطق تجمع الطيور. أتجول بين صحارى ومزارع. أحياناً أخاطر بالاقتراب من السواحل بغية متابعة ذوات الريش في هجرتها السنوية واقتناص بعض الصور لها.
اعتدت أن أكون بمفردي في أغلب رحلات الاستطلاع، إلا أن نهار الرابع والعشرين من نوفمبر؛ كان برفقة من لا أحب، لا أقصد كراهية شخصه، وإنما كراهية أهدافه وغاياته.. وأفعاله..!

لا فرصة لنجاة طائر أصابته إحدى هذه القطع

ترسانة أسلحة

في ذلك الصباح؛ صرتُ برفقة “صائد الريش” ذلك الشاب الذي لم يبلغ العشرين، وبمعيتي كاميرا وحيدة أحسبها سلاحي القوي لإيصال رسالة الحب والحفاظ على مكنونات البيئة. وهو على العكس مني.. يحمل ترسانةً من أسلحة حقيقية، لا غرض لها إلا أن تصطاد كل ريشة تسبح في السماء، أو تغرد على الأغصان أو تتجول في الأرض.
في سيارته المهترئة؛ يحمل بندقية هوائية، و”فلاته ـ نبّاطة ـ قطّاطة”، وفخاخاً مصنوعة يدوياً، وقفصاً صغيراً، وكومةً من شِباك. ومع كل ذلك حمل حمامة مسكينة على ظهرها مصيدة من عُقد خيوط الصيد المستخدم في الصنارات، وفي رجلها قطع رصاصية “بلد كبي” تُستخدم في شباك صيد الأسماك.

وعلاوة على جميع هذه الأدوات فإن لديه يدين يستخدمهما إذا لزم الأمر، في خطف فراخ عش، أو الإمساك بطير بحر قد غفا قليلاً…!

أول الضحايا
كانت تلك السيارة تعج بأدوات “صائد الريش”، إلى درجة أنني لم أجد مكاناً لأضع سلاحي ـ الكاميرا المسكينة ـ إلا حضني، فكل ما كان داخل السيارة قد جُهز لغرضه الخاص به. انطلقنا ولا أعلم إلى أين ستكون وجهتنا، توجه جنوباً قاصداً ـ بحسب كلامه ـ بعض المناطق التي اعتاد زيارتها. استغرقنا 25 دقيقة قبل أن يقبض بيده اليسرى على عظمة “الفلاته” الخشبية، ويده اليمنى على “الربلة” واضعاً في الأخيرة “بِلداً” مكوراً صغيراً بديلاً عن الحصى الصغير “الكنكري” الذي اعتاد الصيادون استخدامه.

سألته لماذا تستخدم قطع الرصاص هذه..؟ فأجاب بما معناه ألّا وقت لديه ليبحث عن الحصى. وهذه القطع الرصاصية لا تترك فرصة لأي طائر تُصيبه.

وفي غمضة عين ودون أن تتوقف عجلات السيارة عن السير كان أول الضحايا نورساً قطع آلاف الأميال ليلقى حتفه هنا على يد رفيقي المؤقت ” صائد الريش”.

كبسة نوارس
راح يُكرر الطريقة البدائية ذاتها. راحت النوارس تلقى حتفها، الواحد تلو الآخر. كانت أسئلتي تتكرر حول فائدة ما يفعل. وإجابته جاهزة: للنوارس طعم لا يقاوم إذا طهتها أمي على طريقة “الكبسة”، وقد وعدتها بأن يكون غداء السبت كبسة نوارس.
“الطريقة التي وصفتُها “بدائية” بمثابة تمرين يومي يبقيني ذا مهارة كسبتها من خلال الممارسة منذ كنت في السادسة من عمري”. الكلام لصديقي صائد الريش الذي بقي متباهياً مستمتعاً بما يقوم به، وبعد أن ملأ ذلك الصندوق الورقي الكبير بجثث النوارس، انطلقنا نحو منطقة أخرى على أطراف صحراء مزارع متناثرة هنا وهناك..

جاء دور طريقة أخرى للصيد..!

غفل هذا الطائر المسكين عن مصيره الخطير

طائر هَيُوب
لحظات وإذا به يزيد من سرعة السيارة ويغير مسارها حتى وصل لما كان يدور في ذهنه، أمسك بتلك الحمامة المسكينة ورمى بها عالياً، وأكمل طريقه قبل أن يتوقف على مسافة مئتي متر تقريباً لأتفرج على الحدث. نزل طائر جارح يعرف بالعامية بـ ” الحقبي” على تلك الحمامة، إلا أن صائد الريش ردد ألا فائدة منه. هذا “هيَوب” دقائق من المحاولات الجبانة غادر بعدها “الحقبي” وأكمل طريقه وبذلك صدقت قراءته للمشهد بأنه طائر “هيَوب”.

يوم اقْطُوعْ
أخرج من بين مقعدي السيارة منظاراً ليعاين أعمدة كهرباء ظهرت من بعيد. ثم قال “شرياص راحت على أمه”. يعني ذلك ـ عنده ـ أن طريقة أخرى للصيد جاء دورها. أخرج قفص الفئران الصغير أسقطه في الأرض. وما هي إلا أقل من دقيقة حتى علقت رجلا “الشرياص” بالمصيدة.. مرت دقائق أخرى.. سقط “شرياص” آخر..!
إحساس الزهور يملأ وجهه.. قال لي “ليوم يوم اقطّوع”. يعني بكلامه أن طائر العوسق للتو قد وصل من رحلته ليحط رحاله في هذه المنطقة، وبنفس الطريقة اصطاد الثاني فالثالث فالرابع. ولم يحالفه الحظ في صيد الخامس. من أصل خمسة طيور أصطاد أربعة بينما نحن معشر المصورين قد لا نوفق في اقتناص صورة واحدة لهذه الطيور الخمسة..! لم يكن مكتفياً، غير أنه لم يرَ إلا ما اصطاد.

جريمة البلبل والهدهد
سار نحو مقصد آخر متجهاً إلى مستنقعات تعلوها حشائش القصب حتى صار في وسطها. ترجّل عن سيارته ألقى نظرة وقال بعدها للأسف ” الحظ ماش”. قصد بذلك أن شباكه المنصوبة منذ أمس لم تمسك بأي طائر.

لم يكتمل مشهد الاستعراض بالنسبة إليه إلا حينما أخرج البندقية الهوائية التي قلما أخطأت هدفها، كانت الطيور تتهاوى لافظةً أنفاسها على وجه الأرض. الطير تلو الطير يسقط ببندقيته. لا فرق بين صغير.لم يكن مهتماً بما يصيد.. المهم أن يصيد. هناك استثناء لا يخلو من رومانسية.. حالات نادرة قال فيها إن صيد البلبل والهدهد جريمة..!

القرار بعد الصيد

كل ما كانت أعرفه هو أن صائد الريش يصطاد أي حامل ريش. الغرض من اصطياده يأتي بعد أن يتمكن منه، إما أن يكون وجبة طعام له، أو وجبة طعام لطيوره الجارحة التي يحتفظ بها في منزله. وإن لم تكن كذلك فقد يستخدم ريشها في إحدى طرق الصيد التي يبتكرها.

جاءه اتصال هاتفي. فهمت منه أن أحدهم بانتظاره في مكان متفق عليه مسبقاً. وقف إلى جانب الشارع ليسلم ثلاثة طيور “بُوم” لاحد زبائنه. كان المبلغ 250 ريالاً. تسلم أيضاً 500 ريال عن صفقة سابقة. غادرنا تلك المنطقة البعيدة إلى مناطق أقرب لوسط البلد، كان يدخل المزارع دون استئذان، وكأنه صاحب المزرعة..!

سألتُه كيف له أن يفعل ذلك..؟ فأجابني بأن لديه إذناً سابقاً من أصحاب المزارع للدخول في أي وقت.  
كان العمّال يرحبون به منتظرين منه بعضاً من الطعام الذي اعتاد جلبه لهم لغرض تقوية العلاقة وزيادة الثقة بينه وبينهم.

في خربة مهجورة كانت أحد شباكه قد اصطادت له بعض الحمام وباشقاً، فك تلك الطيور ووضعها في القفص المجهز لها وشكر الله.

تعامدت الشمس معلنة منتصف النهار ونهاية الفترة الأولى من نشاط يومي معتاد لصائد الريش. انتهت رفقتي له، أما هو فكان لديه ما يقارب الساعتين ليوزع غنائمه، قبل أن يعود مرة أخرى عصراً وتنتهي مع غروب الشمس، أو قد تمتد حتى منتصف الليل.

إحباط.. وأمل

بالتأكيد لم يكن صباحاً سعيداً.. بل لم يكن يوماً سعيداً. عدتُ محمّلاً بالإحباط. كأن ما نقوم به أنا ومن معي في مجموعة رصد وحماية الطيور لا يؤثر مثقال ذرة في “صائد الريش” ومن سلكوا الطريق الذي يسلكه. أسئلة كثيرة كانت لدي لم أعرف إجاباتها إلا بعد رفقة اليوم. دافع الصيد وجدت إجابته في المردود المالي الذي يجنيه الصياد يومياً بما يعادل أو يزيد عن أجر يومي لموظف يعمل في أقسى الظروف.

الشغف الذي يمتلكه صائد الريش يعادل أو يزيد على شغفنا نحن من ندعي حبنا لذوات الريش، والغريب في الأمر أن الأجواء متشابهة لحد كبير بيننا وبينه في ممارساتنا اليومية إلا أن الغرض مختلف. الطلب على الطيور في ازدياد ما يعطي دافعاً للمواصلة. وبالرغم من كل هذه الدوافع والمسببات إلا أنني لا أجد عذراً يجيز له هذه الممارسات التي أراها فتّاكة قتل الحياة.

ربما ما يعزي في الأمر أن صائد الريش مقبل على الزواج بعد أشهر قليلة، وأرجو أن يصدق فيما قال لي عن تفكيره في ترك هذه الهواية تدرجاً. هذا ما أدعو الله من أجله.. أن ترتاح تلك الطيور المسكينة من “صائد الريش” لتتمكن من مواصلة دورها الطبيعي البيئي الذي خلقها الله من أجله.

——–

* عضو جماعة رصد الطيور في المنطقة الشرقية، وعضو فريق تحرير “صُبرة”.

زر الذهاب إلى الأعلى

لإعلانك هنا ـ مربع

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com