المرأة في عهد التمكين

حسين بزبوز

 

من منطلق الحماية جاء تشريع حجاب المرأة في الإسلام، والحجاب ببساطة كما نعلم جميعاً هو قطعة القماش التي تستر بها المرأة البالغة جسدها أو ما يحرم النظر إليه منه من قبل من يحرم عليهم النظر على الكيفية التي يشرحها المتشرعة في كيفيات قد يختلف فيها الفقهاء ورجال الدين أو يتفقوا، لتبقى الغاية الدينية رغم تعدد القراءات والاجتهادات في النهاية واحدة. فالحماية هنا تشكل توجهاً ظاهراً في الإسلام بنص كتاب الله سبحانه – المعصوم من التحريف والزلل -. لذا فنحن أمام حقيقة واضحة لا لبس فيها، هي أن الحجاب في الإسلام ليس عبادة فحسب دون هدف وغاية، بل للحجاب دينياً عندنا كمسلمين غاية واضحة تماماً وهي غاية يقدسها ويتفق عليها جميع البشر، مهما اختلفت توجهاتهم وعقائدهم وأيديولوجياتهم، ومهما اختلفوا في سبل تحقيقهم لهذه الغاية المقدسة، وشاهد هذا التوجه واضحُ عندنا في الإسلام تماماً في قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا).

وهذا التعليل هنا ضروري ومهم جداً لنا عند النظر لموضوع الحجاب دينياً، كما أن التعليل والربط المنطقي مهم عموماً في مجمل القضية الدينية، بل مهم أصلاً في تبني الدين نفسه وهو الأولى، فالدين الإسلامي له مبررات وعلل وغايات، ولو جردنا الدين الإسلامي وتشريعاته من العلل والمبررات والغايات، لفقد الدين قيمته في الحياة، ولانمحت مبررات وجوده، وهكذا في ساحة جميع الأديان وكل التشريعات الدينية، فعندما تكون الأديان بلا علل ولا غايات تبطل تلك الأديان، وكذا تبطل أيضاً التشريعات الدينية تحت مظلة مناقضتها للواقع والمنطق، وكذا بالمثل تبطل كل الأيديولوجيات البشرية الأرضية وكل القناعات الفكرية، حين لا يكون لها منطق ولا مبرر، حيث من الضروري أن تخضع هي أيضاً لمحاكماتنا ذاتها من حيث تضاد مهم هو تضاد (الفوضى والنظام) الكاشف لنا واقعاً عن مواضع الخلل في سلوكنا وتصرفاتنا وتفكيرنا، كما يجب أن تخضع تماماً لذلك الفحص المبني على هذا التضاد كل قناعاتنا وأفكارنا الدينية.

حيث يعد الانزياح هنا لساحة الفوضى أو الاستقرار خلافاً لذلك في ساحة النظام، جوهر الإثباتات تماماً كما هو جوهر الرفض والنفي، سواءً كنا هنا في ساحة نقاشاتنا لإثبات قضايا الدين أو الدنيا. فالعقل القويم لا يمكن ولا يعقل أن يتبنى الفوضى في مقابل النظام، فليست الفوضى من مقومات العقل السليم، ولا يصح أن ينسجم العقل معها، سواءً كان ذلك العقل – من حيث الهوية والتوصيف – عقلاً دينياً أو عقلاً دنيوياً، وسواءً كان ذلك في المبدأ، من حيث الفكر ذاته وممارسة التفكير والتعقل، من حيث طبيعة ذلك الفكر، أو في المنتهى، من حيث مخرجات ذلك العقل والفكر في الواقع. فالعقل الحقيقي لا يفسد النظام ولا يتبنى التناقضات، والحياة لا تستقيم بالفوضى، والنتيجة هي دائماً أننا نحتاج نظاماً في الفكر يولد لنا انسجاماً في مصالح الحياة ولا يفسدها.

لذا أعتقد هنا، أن من الضروري لنا كمسلمين اليوم، وخصوصاً في هذا العصر، أن نفهم الحجاب من خلال غاياته وأهدافه وانطلاقاً منها، كي لا نضل تلك الغايات أو نضيعها، في ظل تزاحم تطورات الحياة المعاصرة وتعقيداتها وتحولاتها، رغم التزامنا ظاهراً بما ورد إلينا دينياً من أمر رباني، في حين قد نمارس العكس، وما يبطل المصلحة المبتغاة، وتوازنات الحياة معها، بل ما قد يدمرها ويفسدها.

وهنا عندما نفهم الحجاب من خلال العلل والغايات والمصالح الواقعية، أي حين يفهم الحجاب في أفق فلسفي رحب يتسع باتساع الحياة، ليكون أوسع من مجرد حصر الحجاب وفهمه فقط في كونه مجرد لبس قطعة قماش، كعبادة مجردة من الروح والعقل والمنطق، بالكيفية التي يتحول فيها لبس الحجاب لأداة تخنق دور المرأة في الحياة، نصل حينها حتماً لروح الإسلام وروح الحجاب نفسه، ونصل بلا شك لفهم ووعي أعمق لما يحقق لنا غاية الحجاب وأهدافه ومهامه وما يخدمها. فهناك حقيقةً بلا شك في عصرنا اليوم ما يحمي المرأة أكثر من قطع القماش بمفردها، وهي أسلحة تقنية وأنظمة وقوانين صارمة وأجهزة أمنية وتشريعات وأدوات لم تكن متوافرة للبشرية من قبل، بدليل أن بعض عادات الناس وممارساتهم وسلوكياتهم في هذا العصر قد تغيرت تغيراً تاماً بما يتماشى تماماً مع روح العصر، وبدليل ظهور المبتعثين والمبتعثات في كل أصقاع الشرق والغرب، ودليل ظهور السياحة لكلا الجنسين وازدهارها على هذا الكوكب بمختلف صورها وأنواعها بما فيها السياحة الدينية، إلى غير ذلك من صور التحولات، في حين لم يكن بالإمكان ظهور كل تلك التحولات في الحياة البشرية في الأزمنة الغابرة على الكيفية التي حصلت بها، لعدم ملاءمة ظروف الأزمنة السالفة لحصول تلك التحولات، وعلينا أن لا نغفل عن ذلك أبداً.

وليس في هذا الفهم والمنطق المطروح هنا كما قد يتوهم البعض، أي إسقاطٍ لفريضة الحجاب، ولا معارضة إلبتة لمنطق تلك العبادة أو لتشريعها في الإسلام، كعبادة هادفة لها غايات نؤمن بها. وإنما يأتي هذا الفهم في الواقع هنا، كامتداد عقلاني واعٍ لفهم الحجاب، يفهم غاياته ويتجه بنا بعد ذلك نحو العمق، ليبعدنا عن مساوىء تقوقعنا في أفق ضيق جربناه في الماضي، وهو أفق تطبيق المظهر بالصورة التي يبعدنا فيها تطبيق المظهر عن الجوهر، لنمسك فقط بقشور الأشياء، ونجهل أو نهمش لبها وروحها. وإلا فالحجاب عموماً كما هو في الفهم المألوف عادة، ضمن مناهج الاعتدال، كما كانت له قيمته في العصور الغابرة في ظل ظروف الحياة البشرية السابقة القاسية التي اقتضته أو ولدته أو فرضته أو جاء التكليف به زمانياً فيها ليكون عبادة للفرد يتوجه بها العبد لربه، مازالت الحاجة له – في فهمه المعتدل، على تفصيله – حاضرة حتى اليوم رغم تطورات هذه الحياة وتغير ظروف الزمان والمكان وأدوات العصر وإمكاناته.

لكن للأسف رغم غائية الحجاب وأهدافه وقيمته الممتدة، يمكننا القول أن هناك قصوراً واضحاً في العالم الإسلامي بشكل عام في فهم الحجاب وأهدافه وروحه بعمق، وتجربتنا البشرية عبر القرون تحكي لنا عن مواقف سلبية تمت فيها محاربة المرأة من قبل مدافعين عن الحجاب نفسه، بحيث أسهمت المواقف والتصرفات السلبية ضمن ثقافات دينية مغلوطة أنتجها المسلمون في عصور سابقة نحت منحى التشدد، في إضعاف المرأة وتدمير قوتها وقدرتها أمام قدرات وسلطة الذكور على عدة أصعدة، بحجة تطبيق حجاب المرأة، وحماية النساء من الذكور الذين تمت تقويتهم.

فحارب البعض تعليم المرأة، لتصبح بفعلهم جاهلة أمام ذكور يتم تعليمها وتطويرها، وحارب آخرون عمل المرأة، لتصبح بمواقف المعارضين عاطلة محتاجة ضعيفة بلا مهنة ولا سلطة، أمام ذكور تسلم كل مقاليد الحياة ومناصبها وسلطاتها لتديرها، لتتسول النساء من الرجال ومن أشباه الرجال ومن كل ذكر، المال والنفقة والمساعدات، وتلجأ لقوة هؤلاء وسلطتهم لا لقوتها المعرفية والوظيفية وسلطتها وسلطة قانون يقف بجانبها ويحميها، كما حارب آخرون أيضاً قيادة السيارات من قبل النساء – فهذه سلطة أخرى لا يجب منحها للمرأة، لأنها مفسدة لها ولحجابها – لتزداد المرأة فوق ضعفها ضعفاً، ولتصبح سجينة مستعبدة أسيرة، كما أراد لها الذكور ذلك بحججهم الواهية، التي تضعف المرأة وتعزلها عن واقع الحياة وتهشمها ولا تقويها أبداً، فالمرأة القوية القادرة المنتجة، في قاموس المأزومين بهوس الحماية، مستبعدة مستعبدة.

واستمرت حكاية إضعاف الذكور للمرأة لتصبح المرأة عبدة أسيرة قليلة المعرفة ضعيفة الشخصية فاقدة للسلطات بمختلف صورها قليلة الحيلة رغم تطورات الزمن، تظهر للمجتمع مشاكلها وتأزماتها في هذه الحياة في ظل هذه الأوضاع مرات في العلن عندما تشاء الأقدار ذلك في المحاكم أو في وسائل الإعلام أو في غيرها، أو تبقى تلك المشاكل والصراعات في الخفاء وخلف الأبواب الموصدة مرات أخرى لتختفي فيها قسوة ومآسي سيطرة الرجال على كامل شؤون النساء في هذه الحياة من الألف إلى الياء، في تغييبٍ تام لوجود أي توازن معقول بين قوة الرجل وقوة المرأة، فاختفت بالهيمنة المطلقة للذكور من مجتمعاتنا في ظل رؤى وتفسيرات البعض، المرأة المقتدرة القوية القادرة على مواجهة الحياة وتحدياتها وحماية نفسها وفرض قوتها وامتلاك سلطة وسيطرة تقهر بها العقبات والتحديات.

هكذا استمرت عبر تاريخنا الإسلامي سلسلة من المواجهات والمعارك التي حوربت فيها المرأة لتصبح كائناً مهمشاً ضعيفاً، محاصراً بسياج جهلٍ تامٍ من قبل بعض من حرصوا من الذكور على حمايتها من ذات الذكور أنفسهم، ممن اجتهدوا في حماية النساء فأخطأوا في اجتهاد الحماية أخطاء فادحة لا تبرر، فتحت في مجتمعاتنا أبواباً لجرائم خفية يمارسها من في قلوبهم مرض، مستغلين حالة الضعف تلك التي تولدها تفسيرات الحماية والوصاية الخاطئة، والتي ولدت قضايا ظلم متنوعة كقضايا المرأة المعلقة وقضايا تزويج القاصرات بالإكراه والإتجار بزواجهن وغير ذلك. ولم يدرك البعض أن حربهم تلك ضد المرأة بحجة الحجاب هي حرب ضد الحجاب نفسه، خصوصاً بعد تحويل قضايا المرأة لنار مختبئة تحت الرماد في مجتمعات الصمت التي تستعصي فيها الجرائم على الإحصاء والنقاش، ولا يستطيع المجتمع في ظلها شم روائح تلك الجرائم ولا قياس شدة حرارتها.

هنا تأتي الحاجة لإدراك أهمية أن تكون المرأة متمكنة مقتدرة، بيدها المناصب والمال والوظائف والقوانين والقوة والعلم والمعرفة، لتكون قادرة على الدفاع عن نفسها بنفسها في ظل حمايتها بالتشريعات المعاصرة وسلطة القانون وسطوة التقنيات المعاصرة مضافة لعلمها وفهمها وإدراكها، وهنا تأتي أهمية إدراك أن المرأة المقتدرة إنما هي نتاج للتعليم والتوظيف والتمكين على مختلف الأصعدة الأخرى الممكنة. لذا نقول أن تمكين المرأة من الوصول للقوة في ظل ثقافة الاعتدال والعفاف ومع انتشار القانون والوعي وبسط قوة الأنظمة والحماية، بلا شك يمكن أن يكون أكثر حماية وحفظاً وصيانة للمرأة من عزلها وإضعافها وشلها والاكتفاء بسترها بقطع قماش رقيقة مهما سمكت، لتكون هي كل ما يحميها ويسترها.

إن الحجاب في شكله القديم قبل ظهور الدول المدنية الحديثة وتطور أدوات وآليات وقوانين وأجهزة حماية الأفراد فيها، لا ينبغي أن يحجبنا في أطر الواقع القديم وإمكانياته وأدواته المحدودة عن حقيقة أن تطورات العصر وظهور الدولة المدنية المعاصرة يستوجب منا فهم الحجاب ضمن مجموعة أوسع من الأدوات والمكونات، عوضاً عن استصحاب الماضي البعيد عنا معنا كما هو بكل ظروفه ومكوناته وحدوده لفرضه على واقعنا بكل تفاصيله.

ومن جهة أخرى، كي تكتمل الصورة، ولا يكون هناك لبس في الفهم، فإننا لا ننكر هنا وجود عيوب وسلبيات قد ترافق، أو سترافق دائماً، كل طرحٍ لما هو إيجابي، كطرح تطوير فهمنا لواقع المرأة وواقع الحجاب، فالمشرط يداوي ويجرح، والفكر الرصين يعمد دائماً هنا وهناك إلى فهم كامل التوازنات بلا نقص، وبالمنطق السليم وحده سنعرف هنا أن تمكين المرأة وصناعة المرأة المقتدرة خير من صناعة نساء أشبه بالإماء في ظل فهم قاصر لتوجهات الإسلام وتعليماته في الحياة. ويمكن القول أن كل ممارساتنا البشرية ترافقها أو قد ترافقها ثغرات تتطلب منا المراجعات والتطوير، ولا تخلوا الإيجابيات على كوكب الأرض أبداً من بعض تلك الثغرات والسلبيات، حتى في موضوع الحجاب نفسه كما أراده البعض في فهمه الضيق كقطع قماش تستر الجسد فحسب، فهو أيضاً مما كانت ومما ستظل له عيوبه وسلبياته وثغراته، حيث كان ذلك الحجاب أحياناً في تطبيقاته السابقة كما أراده البعض، ستار إخفاء للهوية يسمح بممارسة جرائم قد يندى بسبب نتائجه جبين حتى من فرض ذلك النوع من الستار نفسه ضمن التغليظ الذي مورس حتى أزمنة قريبة جداً بل مورس في بعض بنوده حتى اليوم، ويمكن لنا بالمنطق والوعي، إذا عمدنا لهما بإنصاف، أن ندرك الكثير من العيوب والكثير من جوانب الخلل الناجمة عن التطبيقات المشوهة التي رافقت التصورات والمفاهيم الخاطئة لفريضة الحجاب، والتي كان منها أن وصل الخلل بالبعض للمطالبة بأن تصبح المرأة حبيسة قفص خرساني هو الجدران الأربعة، وأن لا تخرج من بيتها إلا إلى القبر، فأي حياة بقيت للمرأة بعد هكذا خطاب – وهو في حقيقته بلا شك من أكبر صور الإعتداء والتطاول، على حقوق الحياة البشرية في هذه الحياة -.

إن عهد التمكين فرصة حقيقية لمراجعة فهمنا السطحي لهذا الحجاب، وفرصة ثمينة لمحاسبة مواقفنا السابقة التي خالفت روح الحجاب وغايات الدين منه ولم تتكيء على فهم سليم مستقيم مع نظام الحياة، فدمرت بسوء الفهم حالة الإقتدار والتمكين الضرورية لحماية النساء، وأضعفت المرأة على أكثر من صعيد، وعطلت نصف قدرات وطاقات أبناء المجتمع باتباع فكر ومنطق خاطيء، يجعل هوس الحماية المتفاقم مبرراً لتدمير اتزان المرأة واتزان الحياة. وهنا بالمراجعات والمحاسبة يمكن أن نصل لفهم أرقى لشعيرة الحجاب، واستيعاب منطقي واقعي لأهمية ودور التمكين، وهو ما سيجعلنا نتقدم حضارياً لا راكنين إلى الماضي بعيوبه، ولا مرتمين في ثقافة الغرب أو غيرهم بأخطائها ومثالبها وعيوب تسليع النساء فيها، كما أنه بالوعي والاعتدال يمكننا أن نصنع واقعنا الجديد المبهر وأن نطور أمتنا لما هو أرقى وأفضل، وعندها فقط سنصل لتطبيق روح الإسلام بشكل حقيقي، ونصل لفهم حقيقة الإسلام، ونعي حينها ما ينبغي أن يكون امتداداً للإسلام عبر العصور، وبذلك سنصنع ذاتنا الحضارية، التي يمكن أن تكون نموذجاً مشرفاً يقتدي به أهل الشرق والغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com