مشروع المناكفات طريق مظلم

زكريا أبو سرير

روي عن الإمام محمد الجواد عليه السلام أنه قال: “لا تُعادِ أحدًا حتى تعرفَ الذي بينه وبين اللهِ تعالى؛ فإنْ كان محسنًا فإنه لا يسلمه إليك، وإن كان مسيئًا فإن علمَك به يكفيكه، فلا تعادِه”. {بحار الأنوار ، العلامة المجلسي، ٧٥ / ٣٦٥}.

عادة ما تسود المناكفات بين المختلفين ونجدها بالخصوص بارزة على المشهد السياسي، إذ نرى المناكفات السياسية بين السياسيين حاضرة في اختلافاتهم في وجهات النظر الدائرة في أجواء جداولهم العملية المرتبطة بمصلحة كل طرف منهم، وشيء منها بين طبقة المثقفين والمتدينين، وبدورها تتبلور هذه الاختلافات والتباينات إلى المناكفات، ومن ثَمَّ إلى مرحلة الخصومات البينية فتتسع وتكبر؛ ما يصعب إيجاد حلول مناسبة لرجوع المياه إلى مجاريها الطبيعية الذي كانت عليه في السابق، ولولا تقاطع المصالح بينهم لظل الغالب منهم في حالة من العداوة الدائمة، بسبب وجود المناكفات التي حصلت بينهم ودمرت أواصر العلاقات الاجتماعية فيما بينهم بسبب تدمير القواعد الأخلاقية والإنسانية والعملية.

لهذا فإن مشروع المناكفات مهما كانت طبيعته نهايته هي الخسارة الحتمية وإن كان من يقوده يمتلك جزءًا من الحقيقة، حتى هذا الجزء البصيص من الحقيقة يتبخر بسبب سوء إدارته وسلوك المنهج الخطأ الذي اتبعه سواء كان بعلم ودراية أو غير ذلك.

المناكفات تُنشئ بيئةً من الكراهية بين المختلفين، وهذا يسبِّب بطبيعة الأمر حالة من التباعد والنفور بين الأطراف المختلفة أو المتخاصمة، وكلما اتسعت هذه الدائرة ازدادت صعوبة اللقاء بين الأطراف المختلفة والمتخاصمة، وكوَّنت صعوبة في إيجاد الحلول الممكنة المنطوية تحت إدارة العقل.

وكلما اشتدت هذه الاختلافات اشتدت حالة المناكفات بينهم، ثم تصبح كراهية ثم عصبيات جاهلية، بعدها تصل إلى درجة الفجور في الخصومات، وهذا يصل بقناعة عند أحد الأطراف في التعدي على الآخر من دون مراعاة الأمور الشرعية والأخلاقية والاجتماعية، وربما يوظف الدين والشرع للدفاع عن آرائه وإن كانت فاسدة في ظاهرها وباطنها.

قال تعالى في كتابه المجيد: “وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا”. {النساء: 173}.

وهذه هي نتيجة المناكفات، إذ أوضح ربنا نهاية مسلك هذا الطريق المظلم، وهو التكبر والعذاب الأليم وعدم النصرة لا من الله ولا من أحد من أوليائه والحرمان من التوفيق الإلهي، وإذا سلبت كل هذه الأمور من روح العمل كان باطلًا ومرده الخزي في الدنيا والآخرة.

وحل أي خلاف أو سوء فهم أو حدوث مشكلة بين أي طرف لا يتم إلا عن طريق الإصلاح، وهذا طريقه العقل والتعقل ومشاورة العقلاء، ومن هذه العناصر يتولد رأيًّا سديدًا. إما لمصلحة فردية أو لمصلحة جماعية.

ومما يؤسف عليه أنه مازال هناك بعض من يزعمون أنهم أصحاب رأي وعقل ودراية وعلم تراهم في ميادين المناكفات ويحاولون بكل ما في وسعهم القيام بدور الزعيم في صناعة هذا النوع من الفوضى الفكرية أو الاجتماعية أو الدينية أو الثقافية، ولا يعلم لماذا هذا الظهور المفاجئ عند بعضهم، فهو لا يحمل هدفًا ولا لونًا ولا رائحة طيبة غير أنك تشم منه رائحة يفوح بين طياتها مشروع التسقيط والسقوط في أحضان الشيطان.

والملاحظ أن مشروع المناكفات في الغالب لا يقف عند حد المطلب أو المطالب الأولية أو الأساسية أو عند نقضه الاختلاف بين المختلفين، بل يتمدد إلى أبعد مما يتصوره العقل؛ لأنه يدار ويطبخ تحت نار الكراهية والبغضاء ضد الآخر، وليست له مصلحة غير إشاعة الفوضى والتشهير لأجل إسقاطه اجتماعيًّا أو دينيًّا، فهذا الطريق الظلامي كل مخارجه مسدودة ونتائجه مخيبة للآمال.

إذًا، الرجوع إلى العقل وتحكيمه في كل تصرفاتنا هو المنقذ من هاوية السقوط، كما أن استشارة أهل العلم والخبرة والاختصاص هو أهم مؤشر لنجاح أي مشروع إصلاحي، وهو أهم مؤشر على تعقلنا، وكما جاء في الحديث الشريف: “خيرُ الناس من جمع عقولَ الناس إلى عقله”. {ميزان الحكمة، محمد الري شهري، ٣ / ٢٠٥١}.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com