“مُرتَبِكًا في هامشِ النَّصل”.. عوالمُ الرَّمادِ المتكسِّرة

عادل دهنيم

في إصداره الخامس، بعد متسع للرحيل، ووحيدًا في امتداد خطاك، ومساحة لعن شاغرة، وذاهلًا تسعى إليك الجهات، يوسمُ الشاعر فاضل الجابر مجموعته الشعرية بـ “مرتبكًا في هامش النصل” ليربكنا معه بدايةً من قراءة عنوانه الذي خطَّهُ بخطِّ المُعَلَّى الفاره، في لوحةٍ فنيةٍ ساحرةٍ، وليكملَ إرباكنا بعدها في نصوصه بين المجاز في السرد، وبين سرد المجاز، بينه وبين الآخر الذي تقمَّصَه حدَّ التَّشظي، بينه وبينها حين تكون هي النص وهو النَّاص، أو ربما هي النَّاص وهو النص!  جاءت هذه المجموعة الشعرية ضمن مشروع ملتقى حرف لتنبي الأبداع الأدبي ومن طباعة مكتبة المتنبي للنشر والتوزيع في 96 صفحة من القطع المتوسط، واحتوت على 35 نصًّا شعريًّا تسربلت كلُّها برداءٍ باذخٍ من شعرِ التفعيلة، ما عدا نصَّ “دوزنة أولى” ونصَّ “دوزنة ثانية” فقد أتيا ببردة من التواشيح الأندلسية المغناة، ونصًا جاء به منثورًا ابتدأ به ولم يسمه أو يعنونه، لعلَّه أراد ألَّا يحده بحدٍّ أو يكيِّفه بكيف!

نوَّعَ الجابر في تقنية سردياته بين السرد القصصي، وبين الحوار الداخلي، وبين مخاطبة النفس، وبين مخاطبة الآخر غائبًا، وبين مخاطبة الآخر غائبةً، وبين مخاطبة الآخر حاضرًا، وبين مخاطبة الآخر حاضرةً.  لم يأتِ هذا التنوع المدهش في تقنية السرد بين نصٍ وآخر فقط، بل أتى بين ثنايا النص الواحد، وحنايا الجملة الشعرية الواحدة، ما أعطى نصوص الجابر التفاتًا يوقفُ القارئَ عند منعطفاتِ النَّص، ومفترقات المبنى، ليرشده للمعاني المحتملة، والصورة المؤولة، وجمال التراكيب اللغوية الساحرة، وثراء التداخل الشعري الـمُسْكِر.

أمَّا عوالم الجابر التي عَبَرَهَا في نصوصه، فهي امتداد لعوالمه التي جسَّدَها في أعماله السابقة، وَيْكَأن “مرتبكًا في هامش النصل” قطعةُ أحجيةٍ تَتَكَاملُ بشكلٍ مقصودٍ مُتَعَمَّدٍ مع مجموعاته الشعرية السابقة، وتتقاطعُ باحترافيةٍ معها.  فعوالم الفقد، والحنين، والحزن، والموت، والمسافة، والرماد، والخراب، والحسرة، وثيمات رمادية مشابهة ومتداخلة بذات الشخوص المتكسرة، هي ما يتغلغلُ في وعيك عند قراءة الجابر في نصوصه، ويترشح في لا وعيك حين تنغمس انغماس السَّمير ما بين سطوره. 

وحين اختار الجابر عوالم نصوصه عن سبق عمدٍ وترصُّد، أختار لغة النصوص باحترافية الضليع، وصبر الحفيِّ، بما يتناسب مع هذه العوالم الرمادية، وشخوصها المتكسِّرة، فلا سماءٌ صافيةٌ هنا، ولا صباحٌ يتسربل بنداه على زهور الوله، ولا حبيبةٌ تتراقص ابتساماتها على أنغام الفرح، ولا جسد أنثى يُسكر بنفور منحنياته عيون العشيق، ولا ضحكات سيرن صداها في مسامع القارئ.  فلن تجد إلَّا “صفحات الحزن حين يرتبها سطرًا إثر سطرٍ، وألمًا إثر آخر”.  وستجده يغني بناي القلق المثلوم: “فلي الذكرى، سأكتبها مدوزنةً على إيقاع حسراتي، مسافاتٍ أضاعتها الخطى والشكُّ يأكل مهجتي”.  وستجده يتساءل عن ألم الحقيقة الغائبة مخاطبًا الآخر حاضرًا: “إذًا فقلْ لي ما الذي سيظلُّ منكَ وأنتَ تختبر المسافة والدروب تعثرت بخطاك وانطفأت عيونك آن أخمدتِ الحياة لهيب جمرك؟”  وتسمعُ صرخة المهزوم يطلقها في وجهه الآخر:

“أيُّ أرضٍ هي الآن أرضُكَ؟

كلُّ الدروب يبابٌ هنا واتجاهاتها يبسٌ والقرى قاحلة”

وتراه منكسرًا معترفا بانكساره حين يخاطبها وقد أضناه الفراق وكسره الوجد:

“عبثًا أحاولُ..

كظَّني طول الجوى أرقًا

فيا نوء الهوى العالي

تعالي

لستُ أقوى بأسه أبدًا

ولا أقوى نواكِ”

وتراه كاشفًا عن خبايا نفسه الدفينة بلعناتٍ طال أمدُ كتمانها يرميها كحجارة من سجيلٍ للآخر:

“لا وَزنَ أَعرفُ غير هذا البحر يزخرُ بَالشَّجى

ماذا أَقولُ إَذا رَأيتكَ صَاخبَا؟ هَل جَئتَ تَبحث فَي عَظامي؟

الويلُ كَل اَلويلِ لَي

حتَّام أَسألك القوافي؟ لَم تَبادرني بَشيءٍ، جَئتُ بَالمعنىَ فضاع اَللحنُ وسط ضَجيجكَ اليومي

ضاعتْ مهجتي فَالويلُ لَي مَنذ اَلبداية لَلختامِ”

وتجده يحصى أوراق ندمه وعدمية رحلته إلى العشق:

“أسرفتُ فيها لَيتني مَا جَئتُ في هَذا اَلسياقِ مكبكبا

أو جَئتُ منهمرًا عليها

هذا أَنا صَفرٌ لَدي وَكلها يَبقى لَديها

هذا أَنا أَحصي اَلخسائر فَي دَمي

فأنا اَنتهاكٌ صَارخٌ لَلوقتِ تَقتلني اَلعقاربُ فَي اَلنزولِ دقائقًا، أَيضًا وَيقتلني اَلصعودُ”

وتلحظه متجهًا ناحية اليباب بانكسارِ من لم يجد من يستند عليه في قلقه:

“حيث أعيد اَلنظر إَلى سَيرورةِ هَذي اَلأحداثِ بَرمتها، يتسلقني اَلمطرُ حَصيفًا مَن أَعلاي إَلى مَا شَئت، يَشدُّ الحاضر خلف سَلالمِ نَكبتهِ اَلأزليةِ، وَالأسبابُ هَيَ الأسبابُ

منكسرًا: نَاديتُ طَويلا مَحتملًا أَن يَأتيني، بَعد اَلقلق الموحشِ فيَّ، اَلأصحابُ”

وتكاد لا تسمعه وهو يتمتم باكيًا تشهق به حشرجته:

“صوتي يَتهدلُ لَيتَ مقامًا يسعفني لَأتمتم آي اَلفاتحةِ

أفترضُ اَلورد وَأدنى اَلشوقِ وَألا أَبكي اَلآن لَينفتحَ الحزنُ على وَجهي وَلتنفضَ عُراي بَأكملها فَي هَذي اَلتمتمةِ”

وحين يرمي بيقينه في ستار الليل ليستره، ويلبس شكَّهُ عُريًا لأول مرة، تتيقنُ أنَّكَ أمام مشهدٍ هو أقرب للنهاية:

“عرَّانا اَلشكُ وَقوَّض بالكامل مَا كَان يَقينا

من غَيرك يَا لَيلُ سَيحفظنا شَيئًا فَي اَلماضي مَدفونا

شيئًا مَرضوض الطالعِ، مختمرًا بَالحزنِ، وبالخيبةِ مَعجونا

عرَّانا اَلشكُ فَمن ذَا يَسدلُ عَيني هَذا اَلعالمِ عَنا أو مَن وَقعِ اَلنكبةَ يَحمينا”

ويتمنى خراب العالم فيخاطبه مواسيا علَّه يخفف وطء الخيبات عنهما:

“وطويلًا – يَا حَادي اَلنكبةِ – محفوفًا بالخيباتِ تَجرعتَ الغصصَ كثيبًا تَلو كَثيبٍ تَرسفُ من أَخمصِ رَجليك إلىَ أعلى صَوتٍ يَلوي عَنق اَلرَيحِ فَتعلو مَعهُ اَلبيداء”

وفي محاولة شبه يائسة يحاول مساعدة الآخر الحاضر الغائب، القريب البعيد، ليخفف من وجع الهزيمة، وحتمية الحقيقة:

“وقبل اَنسلاتِ الشعورِ تَحلَّ بَفيضِ الأباطيلِ ما أَنت فيه مَن اَلوجعِ اَلأبدي وَحتى اَلهزيعِ اَلأخيرِ مَنَ الضر، وَاجهِ أَساكَ وَهذا اَلذي لم تقله بصوتٍ تلجلج في غمه وتلعثمْ

تَفَرَّسَتَ في الرَّملِ تَأملُ خَاتمة الدَّربِ أَنْ تَستفيضَ حَنانًا وبلسمْ

تَلُفْتَ تُرمِّمُ صَدع الوجيبِ وأطبقتَ كَلتا يَديكَ عَلى اَلجرحِ، ناضلتَ كي تدركَ الفرحَ يَومًا وَلكن حَظَّكَ منذُ اَلولادةِ حَتى تَلاشيكَ في القبرِ مَأتمْ”

“مرتبكًا في هامش النصل” نصوصٌ تأتي من تلقاءِ السهلِ الممتنع، لتحملَكَ معها على أجنحة البيان، وجمال اللغة، وتدخلك لعوالمها الرَّمادية بسحر التراكيب الشعرية المتقنة، وسهام المفردة المسددة، وأبواب المعنى المواربة. “مرتبكًا في هامش النصل” نصوصٌ تشفُّ عن تجربة شعرية مغايرة لشاعر اختار بناء عوالمه الرمادية القاتمة بعناية لتأسر داخليها بصورها الباكية وشخوصها المتكسرة، تجربة شعرية تتكامل مع تجارب الشاعر السابقة، وتتداخل معها في لوحة فنية فريدة.

يونيه 2022

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com