[1 ـ 3] دعني أساعد جين بحق الجحيم

 محمد الماجد

كانت البادية السودانية كريمة مع الطيب صالح، فقد وهبته من المفردات ما يكفي لتشييد مسلّة عالية من الروايات فيما لو أحب، ورغم صفة المدنية النسبية التي يتمتع بها معمار وأزقة هذه الرواية، إلا أنها كانت دائماً ما تتعرض لتيارات موسمية من المجازات التي كانت تهب عليها من عمق الصحراء: إبل، وخيام، وأقواس، وأوتاد، وصهد، وأفق لا نهائي من الرمال، شكّلت كلّها بطانة القماشة التي ستطلق يد الطيب صالح لإكمال سجادة الرواية بمزاج نساج كرماني متمرس.

في (موسم الهجرة إلى الشمال)، الرواية الاستوائية الأكثر شهرة بين روايات الجغرافيا العربية الرطبة، سنعثر على نيل آخر، غير ذلك النيل الذي احتضن طفولة الطيب صالح، نيل حكواتي، يشق الرواية من رأسها إلى كاحلها صعوداً ونزولاً في مجاري تتقاطع فيها سمات الصحراء مع قرويات وليدة وحواضن استعمارية متوحشة، وسيجرفنا النهر في مغامرة لمجارات (بطَلَي الرواية) في ركوب القطار والتنقل بين الولايات السودانية وصولاً للخرطوم، ومنها إلى القاهرة، ومن القاهرة إلى لندن، ثم العودة إلى نقطة الانطلاق: قرية سودانية تعيش على رف من رفوف النيل الخضراء، لا هي ممشوقة بما يكفي لإثارة الغيرة في قلوب جاراتها، ولا سمينة بما يكفي لجرها إلى مسلخ المدينة، ولكنها على الأغلب مازالت تحتفظ لنفسها بشحنة من التقاليد والنزعة البدائية التي سيسيل لها لعاب أي كاتب مهتم بتتبع الجذور وملاحقة الأرواح الملطخة بطين الميثولوجيا.

طوبوغرافيا الرواية بدت لي منبسطة ولكنها مرتفعة قليلا بالقدر الذي أراد لها الطيب صالح – نظريّاً – أن تطل فيه على مسرح يوناني قديم، وكأنه أراد أن يعيدنا إلى المربع الأول من الحبكة الدرامية، إلى تلك اللحظة الهيولية التي انبثق منها نور المسرح، وسيظل يعود إليها النقاد والمؤرخون كأول طاقة سرد ضخمة تم اكتشافها تحت مدرجات مسرح ديونيسيوس الأثيني بمجرد أن وضع اسخيليوس أقدامه فيه، وحيث أن هذا الأخير لم يسمح لأكثر من ممثلَين إثنين بالتواجد على مسرحه، لم يبد الطيب صالح امتعاضه من هذا التقليد اليوناني، ولم يتردد في استعارة حلبة ديونيسيوس، فـــ (مصطفى سعيد) و(الراوي)، بطلا رواية الطيب، وحدهما كان يحملان عبأ السّرد طيلة رحلة الرواية وحتى آخر نقطة من السطر الأخير، في الوقت الذي لم يشكّل فيه بقية شخوص الرواية سوى كورس أدائي، أو صُوْر من الرعد يحاول جاهدا إيصال صدى البطَلين إلى أقصى زاوية في العالم، بما في ذلك أثينا بالطبع حيث سيكون اسخيليوس سعيداً بسماعه يتردد هناك.

لن أتحدث كثيراً عن (الراوي)، القادم للتو من لندن بعد حصوله على شهادة في الشعر الإنجليزي، الراوي الذي جعله الطيب صالح وصيّاً على مآلات السرد في روايته دون أن يمنحه حتى اسم أو كنية يمكن لقارئ الرواية أن يناديه بهما، دون أن يعني توصيفي هذا اعتراضاً لما بات أحد التقاليد الراسخة في العرف الروائي، وليس من ذنب للطيب صالح في كون القارئ العربي محبّاً للتسميات بشكل كبير، غاية ما هناك، أن هذا الأمر أضر كثيراً بتقدير قارئ الرواية للأدوار الجليلة التي كان يقوم بها هذا المثقف ذو النزعة المسالمة، ولكن دعني أسلِّم بأن هذا يظل رأياً ليس له أي قيمة فنية، فهو من الاعتراضات النفعية، وقد تسرب من خارج النص لا من داخله، ولكني، ولأجل المتعة المحضة، سأستأذن الطيب صالح هنا لأقوم بتسمية بطله تسمية موحية، سأطلق عليه اسم (مِيْنِما): النمل قاطع الأوراق، تماماً كما أطلقت اسم الكلب (شيبرد) على الكتاب الثاني من رواية (داغستان بلدي)، ولا يخفى أن هناك على الأقل فائدتين لهذا الأمر: فزيادة على أن شيبرد سيحظى برفقة (مينما) المسلّية، سيبعث هذا فيَّ الأمل لخلق غابة من الحيوانات ذات الحس الروائي في حال واصلت هذه السلسلة من المقالات، أما ثالثاً، ورابعاً …. وعاشراً، فكلها ستصب في خانة ردّ الاعتبار لهذه الشخصية المهمشة.

أعود لــ (مينما)، فهذا النمل القاطع للأوراق فيه شبه كبير بــ (الراوي)، حيث لديه القدرة على حمل ثلاثة أضعاف وزنه، وفيما يتصل بالخبرة، فهو يهوى العمل بشكل جماعي، ويقوم بقطع الأوراق وكأنه آلة هندسية مبرمجة بدقة، والأهم أنه حريص دائماً على السهر على راحة الملكة، وأخشى أن أقول بأن الملكة هنا ليست سوى مؤلف الرواية الطيب صالح، في كل الأحوال، ليس لدي شك بأن هذا الاسم وحده سيمنح المتخصص في الشعر الإنجليزي هذه القدرة على حمل تركة السرد الثقيلة التي كٌلِّفَ بها، خاصة وأنني – حتى قبل هذه التسمية – كنت تخيلته دائماً بمنكبين عريضين، وقلب طيب، وطاقة هائلة على الخطابة، ليقوم بما قام به من مهام سردية مضنية، فهو لم يتحدث عن نفسه فقط في هذه الرواية، بل تحدث نيابة عن كل القرية تقريباً، وربما عن القرى المجاورة، للدرجة التي صرت أخشى معها الاقتراب منه حتى لا أتسبب له في أي أذىً نفسي، أو أي بتر لهوايته المفضلة: الكلام ثم الكلام ثم الكلام، ولا شيء آخر!. 

لا أعتقد بأن مينما في حاجة لأي تنويه بقدراته بعد الآن، لذلك، وفيما يتعلق بـــ (ثنائية أسخيليوس) بالذات، أحببت دائماً التحدث عن معادله الوجودي: محور الرواية وبطلها الرئيسي مصطفى سعيد، ففي الفصل الثاني من الرواية على سبيل المثال، حاول مصطفى وفي جلسة اعترافات سرّية جمعته بــ مينما أن يسرق خمساً وعشرين ورقة من الرواية البالغ عدد أوراقها مئة وسبعون ليملئها بما يشاء، حدث ذلك حين استغل مصطفى سعيد سؤال مينما له عن الحقيقة التي يخفيها وراءه، فأنزَلَ هذا الأخير عن سرج السرد وامتطاه بدلاً عنه، حتى توهّمت، ولطول ما انفرد بالمضمار، أنه نجح في إسكاته، وإذا كان ثمت فائدة من سرقة مصطفى سعيد هذه، التي تكررت أكثر من مرة، فهي بلا شك اكتشاف القارئ أن مينما، بحمد الله، لديه أذنان كما باقي البشر، وأنه يستطيع استخدامهما بالفعل، وأن الأجمل في كل ما حدث هو أن حرب أسخيليوس هذه بين البطَلَين أفضت إلى انتصار روائي جعل من ترجمات (موسم الهجرة إلى الشمال) تتجاوز العشرين ترجمة لمختلف اللغات، وتوجتها كواحدة من أفضل مئة رواية في القرن العشرين.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com