على الراشد.. الحياة بين عملين.. وبستانين الفلّاح الأصيل يعود إلى أرضه.. ولو بعد التقاعد

كتب: حبيب محمود

لأن الوضع مُحرج؛ ذهب إليه مدير المدرسة بنفسه، ليعتذر له عمّا يفعله الطلاب في شجرته. في منزله شجرة ليمون، تطلّ بعض أغصانها وتتدلّى في حرم مبنى المدرسة الذي كان مستأجراً. والطلّاب يمدون أيديهم إلى الثمر. لم تنجح إدارة المدرسة في السيطرة على طلابها صغار السن. ولا مفرَّ من مخاطبة صاحب الشجرة، على الرغم من أنه لم يشكُ، ولم يتذمّر، ولم يفعل شيئاً..!

لكنّ صاحب الشجرة؛ اختصر كلّ شيء لمدير متوسطة الخويلدية، وقال له “صَوْبْكُمْ لَيْكُمْ”، والمعنى أن ثمر الشجرة المُطل على صوبكم حلالٌ عليكم..!

ثقافة موروثة

لم يكن ردّ الحاج علي الراشد، إلا تفعيلاً لثقافة موروثة في مجتمع القطيف الزراعي. الأشجار والنخيل يملكها أصحابها بطبيعة الحال. لكن ما يتدلّى من ثمرها في الطريق، أو في بيوت الجيران يصير “حلالاً” على الآخرين، ومن دون استئذان. ذلك عرفٌ توارثته أجيال متعاقبة من السكان. مُباحٌ للناس أن يأكلوا من ثمار الشجر في مكانها، دون حمل شيءٍ منها إلى البيت. ومدير المدرسة؛ ذهب إليه ناوياً الاعتذار عن شيء لا يُعتذَر عنه في فهم الحاج الراشد.. المدير ذهب حاملاً تفكير الحاضر، تفكير الملكية، تفكير الامتناع عن التعدّي على أملاك الآخرين.. حسناً ذلك موقفٌ تربويٌّ سليم جداً.. لكن هناك موقفاً سليماً أيضاً ما زال الحاج الراشد متمسكاً به.. موقف إبراء ذمة الآكلين من شجرته..!

بين الحر والحرير

يُمضي الحاج الراشد حياته بين بستانين متجاورين، “الحُرْ” و “الحريرْ”. كلاهما يقع بين بلدات ثلاث: الخويلدية، الجارودية، حلة محيش. والكهل الخويلدي يشاركه في أعمال الزراعة أخوته وأبناؤه وأبناء أخوته. أسرة زراعية توارثت إعمار الأرض وانتظار مواسم السماء. بدأ حياته فلّاحاً، وشارك والده وعمّه أعمال “العامْلَهْ” الذين يستأجرهم المزارعون الآخرون.

لم يكن العمل مع “العاملة” محسوباً بالساعات.. بل بحساب الشمس. منذ طلوعها إلى غروبها يستمر العمل. والأجر الذي كان يتقاضاه عن كل نهار 8 ريالات فحسب. طيلة ساعات النهار يحرث الأحواض “الشُّروب”، ويجهزها، ويعمل سائر ما تتطلبه رعاية الأرض.

أمضى في “العاملة” سنتين. لكن فرصة عمل سنحت أمامه، فاقتنصها. التحق بشركة “سافكو”، وأمضى فيها 38 سنة. وبعد كل هذه العقود من العمل في القطاع الخاص؛ تقاعد، ليعود إلى المهنة الأولى التي بدأ بها حياته.

لكنه حين عاد؛ لم يعمل أجيراً عند أحد. وظّف نفسه في البستانين. يعمل برفقة الأبناء في “الحر” و “الحرير”. منذ مطلع الشمس إلى مغيبها. فكرة التقاعد، بالنسبة له، هي فكرة ساذجة. الفلاح يستمرّ فلاحاً، منتجاً، عاملاً.

الضاحك المُضحك

ليس لدى الحاج الراشد ما يُخفيه في تعامله مع الناس. يبدو ضاحكاً مازحاً أغلب الوقت. لديه حسُّ استلال “النكتة” من سياق الكلام، كما يفعل الظرفاء. ولن يفوتك أن تضحك بملء قلبك؛ حين يجرّك حديث معه. “أبو حسن”؛ يعرف كيف يمسك بكلمةٍ عابرة ليردّها إلى صاحبه بعفوية فلاح “مَزوْحْ”.

تعرّفنا إليه، في أغسطس العام الماضي، في جولة البحث عن أصناف النخيل. كان ترحابه تلقائياً؛ كما يفعل أبناء الأرض في القطيف. يومها كان وأخوه وأبناؤهما منهمكين في “جمع الصَّقَاط”، أي جمع التمر المتساقط من النخيل على الأرض. مثل هذا الثمر لا يُترك.. إنه “نعمة الله”، ولا بدّ من إكرامه وجمعه، وضمّه إلى علف الحيوانات. هذه، أيضاً، ضمن ثقافة احترام النعمة في مجتمع الريف، حيث لا يُرمى شيءٌ من ثمار الطبيعة، حتى التالف منها.

فريق عمل

فريق عمل كامل، تولّى المهمة في ذلك العصر المشحون بالرطوبة. والعمل يجري على قدم وساق. بعض المشاركين ابن أخٍ له، معلم فيزياء. ولكنه مسكونٌ بالأرض، ويُمضي وقت فراغاته في أعمال النخيل. مهما صغر العمل؛ يبقى جزءاً من معايشة الطبيعة ورعايتها.

مضى وقت النهار في الأسئلة والأجوبة، والمزاح العفوي، والكلام الذي يُحمل على خفة الظل، وطلاقة الروح. حين ودّعنا؛ تفلّتت من لسانه كلمة أبٍ حزين.. ما زال ألمه طريّاً بعد. لكن بشاشة وجهه كانت سعيدة بزائريه.. سألته عن اسمه، فقال: علي أحمد علي الراشد.. أبو حسن..!

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com