هادي رسول وبناء النص في “نبوءة الطين”

محمد منصور

في نبوءة الطين يصب هادي رسول شعوره في ثلاثة قوالب هي القصيدة الموسيقية بشكليها الموزون والإيقاعي، في مقابل قصيدة النثر؛ مما يعني أن الشاعر وزع شعوره في أكثر من جنس أدبي هي القصيدة الموزونة والقصيدة الإيقاعية، وقصيدة النثر.

والمهم في كل ما ذكرناه هو كيف بنى الشاعر نصه، والملاحِظ في قصائد الديوان يجد -كما يقول محمد العلي-: “أن القصيدة لا تأخد مسارا أو بناء عموديا، بل أفقيا بحيث تجلس كل لحظة وجدانية، أو صورة بجوار الأخرى دون تداخل أو تآزر.

إنه يمكن أن تطرح من بناء القصيدة أكثر من بيت أو لحظة وجدانية دون أن يطرف للقصيدة جفن، كما يمكن أن تقدم أو تؤخر كما تشاء، وسوف تجد أن القصيدة من الكرم والتسامح بحيث أنها تستجيب لك برحابة صدر.”(1)

بالرجوع لديوان نبوءة الطين، ولقصيدة لا تجامل ص 105، نجد أن القصيدة فيها من الكرم والتسامح أكثر مما يشير له محمد العلي من التقديم والتأخير، ومن طرح أكثر من لحظة وجدانية.. بل إن قراءة القصيدة بالشكل التالي، لا يؤثر في بناء القصيدة:

لا تجاملْ.

فالمساءات التي لوَّنتها تبقى مساءات

ويبقى الصبحُ إشراقا على كف السنابلْ.

لا تجاملْ.

لا تظن البحر ينساق وراء الزبد الأرعن

في وهم السواحلْ.

لا تجاملْ.

كل مرآة لها وجه النهارات

تضيء الماء

إلاك فمرآتك تسوَّد

وفي عينيك أحلام من الرمل

وأضغاث على نافذة الملح تطاولْ.

لا تجاملْ.

وحدك الموبوء بالفوضى

ستعطي الشمس تابوتا

وتهدي الوحل عرشا ومشاعلْ.

لا تجاملْ.

قد تكون الآن أرهقت رؤى الوقت

بما أسرفت من زيف العبارات وأشباه المعاولْ.

والقراءة هنا للنص كانت قراءة مقلوبة من نهاية النص إلى بدايته، ولم يؤثر ذلك في بناء النص.

نحن في قراءتنا للديوان لا نقول أنه لا يوجد في قصائد الديوان حالة شعورية مترابطة، وأن البيت الواحد منفصل تماما عما يليه، وأنه لا يوجد ربط أو علاقة بين السابق واللاحق.. فمثلا في قصيدة لحظة من خارج الكون ص 80، نجد هناك أربعة أبيات هي:

ها هنا في صدى ندائيَ صوت

حملته السماء منكِ رسولا

ألهمَ العشقَ في حرائي، وصارت

فيه روحي تعانق التنزيلا

أي وحي قذفتِه في ضلوعي

رتَّل الحبَّ في دمي ترتيلا

فإذا بي بين الأنام نبي

حاملا سِفْرَ حبِّيَ الإنجيلا

الأبيات هذه ذات علاقة مترابطة من ناحية البناء الكلي حيث يفضي بك اللفظ في البيت إلى البيت الذي يليه كما أن هناك صورة كلية تنمو في كل بيت إلى البيت الذي يليه مما يعني أن هناك وشائج تربط هذه الأبيات بحيث تكوِّن حالة شعورية كاملة.. وهذه الحالة الشعورية بهذا المقدار موجودة في مواضع متعددة من الديوان.. لكنك لا تعثر على قصيدة تكوِّن حالة شعورية متكاملة مترابطة من بدايتها إلى نهايتها في الديوان ككل، ذلك الترابط الذي يشير له جبرا إبراهيم جبرا بقوله: “إنه يورد تفاصيله مرتبطة متماسكة فتنمو القصيدة بين يديه نموا من الداخل ككل الأعضاء الحية وإذا بها في النهاية وحدة متكاملة لها أول ووسط ونهاية… ولذلك لن تستطيع أن ترفع بيتا واحدا من مكانه في قصائده دون أن تترك فجوة ظاهرة في المعنى والتركيب”.(2)

هذا البناء في قصائد نبوءة الطين للشاعر هادي رسول يمثل سمة عامة في الديوان سواء كان النص قصيدة موزونة أو قصيدة إيقاعية أو قصيدة نثر.

لعل الاستثناء الوحيد في الديوان كله هو قصيدته النثرية صاحبا الأرق ص 37

يخيطان لي النوم

مقاسات لا تتسع لها وسادتي

وكلما حاول أحدهما أن يجلب عرش النعاس إلى فراشي بردة طرفه

سبقه الآخر بردة طرف أخرى

عندي علم من الكتاب

وأترك طرفيَّ يتنازعان الأرق

منشغلا عنهما بترقب الهدهد.

حيث يلاحظ أن النص في بنائه يأخذ مسارا عموديا بدءا من العنوان والذي يعتبر جزءا من النص لا يمكن الاستغناء عنه أو طرحه من النص، فالنص من عنوانه إلى نهايته حالة شعورية متكاملة.

……………..

(1) ديوان ظلي خليفتي عليكم، جاسم الصحيح، ط2، 2003م، ص8.

(2) ديوان بلند الحيدري، دار العودة _ بيروت، ط2، 1980، ص8و9.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com