مظفر وبوابة الغناء

يوسف آل بريه

لا أظنّ شاعرًا استطاع في العصر الحديث أن يتربّع على عرش الشعر الشعبي كما تربّع مظفر النوّاب، فهو ـ وإن كتب الشعر العربي الفصيح ـ فإنه عُرِف بالشعر العامي قبل أن يُعرف بالفصيح، وعظمته تكمن في الشعر العامي وليست في الفصيح، كما ألمح بذلك الشاعر الراحل عبد الرزاق عبد الواحد في إحدى المقابلات.
مظفر النوّاب البغدادي الولادة والنشأة لم يستخدم عامية أهل بغداد، وإنما استخدم العامية الجنوبية في شعره؛ لما تملكه من شدة حساسية في المفردة، وانفعاليه وقدرة في موسقتها.
كانت القصيدة قبل النوّاب تسير على رتمٍ واحد، ومناخ محدد، فلما جاءها أعطاها بريقها ولمعانها ونبضها؛ وذلك لاتقانه فنّ التعامل مع اللغة العامية ومعرفته بمدلولات مفرداتها وصورها ومعانيها، وكانت قصيدة (الريل وحمد) هي الشرارة الأول التي تلقّفها الناس قبل طباعة الديوان، والذي أعدّه فيما بعد الأستاذ علي الشوك مطلقًا على الديوان اسم (الريل وحمد)، وقد ضمّنه عشرين قصيدة من أبرزها (الريل وحمد، ومضايف هيل، وعشاير سعود، وزرازير البراري)، بالإضافة إلى اللوحات والصور.
لقد أحدثت قصائده دهشة وغرابة في أذهان الناس ولا غرابة أن يكتب لهذا المظفر الظفر بالشهرة التي أتته دون أن يسعى لها، وما ذاك إلا لعبقريته الشعرية، فتلقّف الناس قصائده وحفظها المئات بل الألوف، ولحنها الملحنون، وغنّاها المغنّون، وترنّم بها المتيّمون.
ولو رجعنا إلى السبعينات الميلادية بالذات فسنلاحظ أثر قصائد مظفر النوّاب في النقلة الحقيقية بسلّم الغناء العراقي من خلال ما أحدثه الموسيقار الراحل طالب القرغولي من تلحين لبعض قصائد الديوان، مستخدمًا تعدد المقامات في القصيدة الواحدة، كما فعل في قصيدة (حن وآنه حن = زرازير البراري)، والتي بدأها بالصبا  ثم النهاوند، مرورًا ببعض التنقلات الشعورية العميقة.


ولعلّ أبرز من بدأ الغناء المتنوّع في التعددية للمقامات هو صوت الأرض الفنان ياس خضر والذي غنّى للمظفر:
– حن وآنه حن.
– البنفسج –
– روحي-
وجميعها من ألحان طالب القرغولي، ولعل هذا الثالوث الخطير من خلال (الشاعر= مظفر+ التنغيم = طالب القرغولي+ الأداء = ياس خضر) كتب لهذه القصائد الخلود، بالإضافة إلى قصائد أخرى غنّاها ياس خضر ويأتي على رأسها معلقة الشعر الشعبي (الريل وحمد) التي لحنها الراحل محمد جواد أموري، علمًا بأن الفنانة مائدة نزهت قد سبقت ياس خضر بغنائها ولكنها لم تأخذ دويًا كما أخذته بأداء ياس، كما غنّاها أيضا الفنان جعفر حسن من ألحانه، كما غنّى الفنان ياس خضر في هذا العام (2022م) قصيدة مظفر النوّاب ( أنا وهمومي وسكتي ) من ألحان فيصل الطاهري، ولأول مرة يلحن قصيدة من قصائد مظفر لياس خضر ملحن غير طالب القرغولي، وبالطبع لم تصل إلى القرغوليات كما لا يخفى.
أما الفنان سامي كمال فقد غنّى لمظفر قصيدتين هما:
١- جرح صويحب ، وقد أبدع فيها وأجاد.
٢- مو حزن.
وأما الفنان كمال السيد فقد غنّى قصيدتي (مضايف أهلنا، وعشاير سعود) ، وأما الفنان فاضل عواد فقد غنّى (يا ريحان)، وغنّى كذلك الفنان سعدون جابر (مو حزن) كما غنّاها ياس خضر على شكل موّال حزين.
وللإنصاف فإنّ قصيدة ( مو حزن ) لم يستطع أحد أن يعطيها بُعدها وعمقها، كما كانت تتدفق من اعماق شاعرها وهو يلقيها، ولذا فقصيدة (مو حزن) بصوت مظفرها أجمل وأبلغ.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com