[انطباع] كلهم “فنانون” حتى مصوّري “الجِح”..! معضلة "الكؤوس والأكواب" في معرض جماعة التصوير

كتب: حبيب محمود

ما الذي يُمكن أن يقدمه معرض فوتوغرافي من فعل جمالي أكثر من ممارسة اعتيادية للتقنية المتاحة، وتحوّل الكاميرا من آلة عمل، إلى عادة تلقائية مسخّرة لكل البشر..؟

هذا هو السؤال الذي دخل معي معرض جماعة التصوير الضوئي الثالث والعشرين لجماعة التصوير الضوئي بالقطيف، ماء البارحة الجمعة.

في القاعة المقسومة إلى نصفين؛ زحام حضور وزحام ضوضاء، ولا مكان فيه لروح المحور الأول الذي حمل المعرض هاجس عنوانه، “جائحة كورونا”.. لم يكن في القاعة كلها “كمام” واحد على وجه أحد، باستثناء نقاب بعض النساء الحاضرات، والكمامات التي ظهرت في 15 صورة في جدران المعرض..!

كلكم فنانون..!

هنا؛ يبرز الفرق بين “العقل” و “اليد”.. بين “الهاجس” و “الآلة”.. بين “العين” و “العدسة”.. بين “المصور التجاري” و “الفنان”.. بين القيمة والشكل..! ومنذ بداية افتتاح المعرض؛ بدا الأمر كما يقول إيليا أبو ماضي:

همّكم في الكؤوسِ والأكوابِ

آه.. لو كان همّكم في الشرابِ..!

بدا الأمر، أيضاً، مثل ما يبدو في ظاهرة الشعر في القطيف، كلّ من ينظم فهو “شاعر”، ومثل ظاهرة التشكيل، كل من يرسم فهو “فنان”، ومثل ظاهرة الكتابة، ومثل ظاهرة الإعلام، ومثل ظاهر النشاط الاجتماعي.. وظاهرة التصوير ـ في القطيف ـ أيضاً، فهي جاهزة لمنح الألقاب لكلّ من يصوّر ويستطيع معالجة صوره ووضعها في إطارات.

ولكنّ جماعة التصوير تجاوزت خط “المصور”، فخلعت على كل من شارك في المعرض لقب “فنان”، أو “فنانة”، وعليه؛ فإن لدينا 33 فناناً، بينهم 8 فنانات..!

تشكيل وفوتوغرافيا

لعلّ الأكثر لفتاً عن جوهر المعرض الفوتوغرافي؛ هو بضع لوحات لمنير آل حماد، وسامي آل طالب، وعادل الشرفاء، ورائد البراهيم، إذا تجاوزنا “ضيوف الشرف”، وصورة نسيم عبدالجبار. وبالطبع؛ لا تُؤخذ لوحتا زميليه في “التحكيم” علي أبو عبدالله ولا صلاح الناصري في الحسبان، باعتبارهما من التشكيل الخالص، فضلاً عن لوحة العبدالجبار ـ الفوتوغرافية ـ لكونها ذات لمسة من مدرسة التشكيل المعروفة بـ “الانطباعية”. ذلك النوع من الرسم الذي ظهر مع فان جوخ ومونيه ومانيه وبول جوجان قبل قرون.. ولوحة العبدالجبار “تصوير” كأنه “تشكيل”..!

على ذلك؛ يُحسب للمعرض أن “بضع” أعمال على جدرانه؛ فيها روح الرؤية التشكيلية الجديرة بالتفكيك نقدياً. وتداخل التصوير والتشكيل ليس جديداً، بل إن الرسم يُوصف بـ “التصوير” في بعض تعامله الاصطلاحي. إلا أن ما أرمي إليه ـ هنا ـ ذلك الحسّ الذي يقود الفوتوغرافيّ إلى تأسيس “فكرة” ثم “اتخاذ اللازم” نحو تنفيذها خطوة خطوة، وصولاً إلى “التقاط الصورة”، فمعالجتها..!

ذروة المعرض.. عالم صغير

في رأيي الشخصي؛ فإن ذروة ما في المعرض هو “مشروع” رائد البراهيم.. القصة ـ هنا ـ تبدأ قبل العدسة بخطوات بعيدة.. وكما هو مكتوب في كتاب المعرض فإن الفكرة “تكمن في إنشاء عالم جديد وتكوين قصة خيالية”. وإنشاء القصة تطّلب صناعة مجسّمات صغيرة، وما حدث هو أن البراهيم صنع “الماكرو” بنفسه، ثم صوّره. هذا من حيث الشكل.. من حيث الكوب..!

أما من حيث “الشراب” الذي في الكوب؛ فإن اختيار الفكرة ـ في ذاته ـ موضوع بذاته.. مثلاً؛ فإن فكرة العمّال وهم يرمّمون “حِب الماء”؛ تحرّك خيال المتلقي لتفسير الرؤية، ولكل متلقٍّ منظوره.. هل هنا محاولة لترميم الموروث؟ أو إنقاذه؟ أو صعوبة إصلاح الشرخ فيه؟ أم هو إشارة إلى قيمة الجهد؟

ميزة هذا المشروع، بلوحاته كلها، أنّه لا يُقرر.. بل يُثير الأسئلة، ويفتح باب التفسيرات.. وهذا هو الفن.. هذا هو التشكيل. هذه هي الرؤية..! آلة التصوير حضرت من أجل التعبير الأعمق، لا التوثيق الخارجي، من أجل “الشراب”، لا “الكُوب”..!

وهذه تعبيرية رمزية؛ لم يُضارعها أي عمل آخر في المعرض..!

أفكار تعبيرية

الأفكار التعبيرية تحقّقت في أعمال أخرى أيضاً؛ وبمستوى أقلّ في تقديري. بينها: صورة منير آل حماد، المصنوعة ـ قبل التصوير ـ للتعبير عن مكابدة الإنسان، وعنائه المستمر في التورط بدحرجة الكرة الثقيلة.. وكذلك صورته الأخرى؛ ذات التوزيع البصري “الذكي” للكتلة والفراغ، مع عامل يرتدي “الكمامة” أمام عربات تسوق..!

ومثلها البساطة والبهجة في صورة طفلة متوقفة أمام جدار عليه رسومات لعب.. صورة سامي الطالب.

صورة علاء الشرفاء لرجل يرمي الكمامات وراءه..!

انقسام وجه في صورة وديعة آل عدنان.

جماليات معتادة

لا يعني ذلك أن المعرض غير جدير بالمحاورة.. على العكس، إنه وفير في معروضات. بيد أن علينا أن ننتبه إلى ما يواجهه المتجول في المعرض من “توقّعات” معتادة. ليس جمالياً فحسب، بل حتى تقنياً. صور تجارب الشعوب، صور البورتيريهات، صور الفلاحين، صور الخيول، صور الشارع، صور الأزياء، علاوة على الصور الصحافية التي لا ترقى إلى مستوى “الفوتوغرافيا” الفنية..!

لعلّ في تقسيم المعرض إلى محورين: كورونا ومشاريع، سبباً لهذا الخلط. فقال كل “مشارك” ما عنده، وبالطريقة التي سبق أن حافظ عليها تقريباً.

ولكن علينا أن نفرّق بين الصورة “المعبرة” و الصورة “المُخبِرة”، توازن الجمال والإخبار حساسٌ جداً في مسألة النص البصري عند الفوتوغرافيين. ولعلّ الحكَم في المسألة؛ هو حاجة الصورة إلى “شرح”. إذا عجزنا عن التعامل مع الصورة إلا بمساعدة “كلام” يُكتب عنها؛ فذلك يعني أن تعبيريتها تعاني مشكلة في جوهر لغتها البصرية.. النص البصري الجميل؛ غني عن شرح الصورة..!

عن المعرض

  • 35 عملاً.
  • 33 مشاركاً.
  • بينهم 8 نساء.
  • تنظيم: لجنة التنمية الاجتماعية، نادي الفنون، جماعة التصوير الضوئي.

كتيب المعرض:

على الرغم من تدقيق النصوص؛ يعاني الإصدار مشكلات كثيرة في الصياغة واللغة والنحو والأسلوب، بدءاً من العنوان اللاحن نحوياً “المعرض الثالث والعشرين”، والصواب “المعرض الثالث والعشرون”، مروراً بالمقدمات وشروح الصور.

شاهد فيديو ما بعد الافتتاح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com