[ذاكرة] حملة الشيخ البريكي تنجو من محاولة سلب في طريق الحج الملك عبدالعزيز تدخّل شخصياً وعاقب البدو وعوّض الحجاج

الدكتور حسن: الحملة تأخر وصولها.. فصار الحجاج معتمرين

صُبرة: خاص

تجاوز الـ 80 من العمر.. ومع ذلك؛ فإنه كلّما وصلت إلى أنفه رائحة شِواء؛ عادت به الذاكرة إلى سنة 1946 أو 1947، حين شمّ اللحمَ المشويِّ لأول مرة في حياته، وأكل منه، في مكة المكرمة، عند حجته الأولى.

كان عمر الدكتور حسن البريكي، وقتها، 10 سنوات فحسب. رافق والده الشيخ محمد صالح البريكي في رحلة حجّ استغرق طريقها قرابة 9 أيام من القطيف إلى الحجاز. وشهدت صعوبات كثيرة، بدءاً من رجرجة شاحنات الـ “ماك” أو “دِمِنْتي”، مروراً بمحاولة سلب بدوية، انتهاءً بتأخُّر الحملة في الوصول إلى المشاعر المقدسة، وعدم تمكّن المسافرين من أداء مناسك الحج في تلك السنة..!

قريبٌ من الحقيقة

لا يجزم الدكتور البريكي بأن ما ذكره لـ “صُبرة” هو الحقيقة بكل حذافيرها.. بل هو شيءٌ قريبٌ منها. كان ابن 10 سنوات، والفاصل الزمني لا يقلّ عن 71 سنة، والمهمّة التي خاضها برفقة والده الشيخ كانت ضمن ما كان الآباء يحرصون عليه في طريقة تربيتهم القديمة.. سفر طفل إلى الحجّ له هدفٌ “تعليم المراجلْ”، والشيخ محمد صالح البريكي صحب ابنه “حسن” معه ليتعلّم “المرجَلةْ”، ليخوض التجربة.. وهو ليس الوحيد من أبناء الشيخ. سبق أن صحب ابنه الأكبر “عبدالرزاق” أيضاً.

الشيخ محمد صالح

عاش الشيخ البريكي 60 سنة، قضاها في تحصيل العلم والخطابة والتعليم التقليدي، وأضاف إلى بعض سنواتها نشاطاً خاصاً بخدمات الحجاج، فأسّس حملة حج وانضم إلى “الحَمْلَداريّةْ”، وتولّى ـ بنفسه ـ الإرشاد الديني. وقد رافق الدكتور حسن والده في حجّتين متتاليتين.

الزمن بعيدٌ جداً عنه الآن. اتجهت حياته بعيداً عن نمط حياة والده كثيراً بعدها. خاض تجربة الدراسة النظامية، وسافر إلى ألمانيا لدراسة الطب البشري، وعاش فيها أكثر من 16 سنة، وحين عاد إلى البلاد انخرط في مهنته التي تقاعد منها، وأسس مشروعاً طبياً خاصاً، ثم أخذته الحياة إلى اتجاهٍ آخر.. كل ذلك عمرٌ مزدحم بالأشغال والأعمال والقراءة والكتابة..

حج الأربعينيات

وما يتذكّره اليوم؛ يوثّق جزءاً من مرحلة حجّ أربعينيات القرن الماضي. كان الدكتور حسن طفلاً، لكنّ بعض الذاكرة فيه بعض القصص.. وهو لا يتذكّر المكان الذي انطلقت منه سيارات حملة والده.. مع ذلك يقول “ركبنا في سيارات” يظنّها “من بقايا سيارات الجيش الأمريكي أو البريطاني “ماك” و “دمنتي”.. سيارات شحن، مثل القلابات”. وكان السائق من أهل حضرموت..!

في مثل هذه الشاحنات سافر الحجاج الأوائل (مصدر الصورة: إنترنت)

مرّ طريق الذهاب من الجبيل أولاً، وسارت المركبات قرابة 6 ساعات قبل أن تتوقف في منطقة فيها بئر ماء. التوقف للراحة، والصلاة، وتناول الطعام. في موقع التوقف تولّى المساعدون في الحملة مهمة نصب الخيام، وإعداد الطعام للحجاج، وتعبئة المياه. يتذكر من المساعدين واحداً هو “حجي حسن الخميس” الذي عُرف عنه أنه كان “أَستادْ” بناء فيما بعد. ويتذكّر أيضاً “حجي عبدالله قاو”، الذي توفي قبل 7 سنوات، وكان الشيخ البريكي “يعتمد عليه كثيراً”.

نقاط توقف

هناك نقاط توقف كثيرة في طريق الحج.. ما بقي منها في ذاكرة الدكتور البريكي “رماح”، و “مرات”. لم تكن هناك طرق إسفلت، ولا حواضر. معالم الطريق غير واضحة، ومناطق التوقف والراحة ليست أكثر من أراضٍ مفتوحة تتناثر في بعضها بيوت شعر خاصة بالبدو، أو دور طينية، بعضها مهجور، أو قطعان من الإبل والغنم. الحياة بدائية جداً في أغلب الطريق.

من حسن الحظ أن الجو كان مقبولاً في الرحلتين.. لا يتذكر الدكتور البريكي أن الحجاج شكوا حرّاً شديداً أو برداً شديداً.. لكنه يتذكّر أن البرَد نزل عليهم في عرفات.

انتهت الحجة الأولى بسلام، وعادت الحملة مارّة بالأحساء، على خلاف الذهاب الذي مرّ بالجبيل..

الحجة الثانية

لكنّ الحجة الثانية؛ كانت فيها أكثر من قصة. يقول الدكتور البريكي “خرجنا من الرياض، وبعد قطع مسافة طويلة، توقفت الحملة للراحة”. لا يتذكر الدكتور اسم الموقع الذي توقفوا عنده، بقدر ما يتذكر الرعب الذي تملّكه من الموقف الذي حدث. “كانت منطقة فيها مخيم لبدو، وفيها بئر. وصلنا قبل المغرب بساعة، نوّخنا فيها للصلاة والراحة ونصبنا الخيام. ذهب المساعدون مع بعض الحجاج لجلب الماء.. فيما جلسنا أنا وأبي في مكان الخيمة، معنا بعض البدو الذين بدوا وادعين. ثم بدأوا يسألوننا عن بعض الأمور، وكان أبي يجيبهم. في الأثناء ظهرت أمور غريبة عند البئر. كأنه جدالٌ حادّ جداً، ثم جاء بعض الحجاج وقالوا إن البدو يطلبون مالاً لقاء ماء البئر، أو شيء من هذا القبيل. ثم بدا الوضع مرتبكاً بين وداعة البدو وانفعالهم.. حاول بعضهم سلب آنية من الشاحنة المتوقفة.. شاهدتُ حاجةً في الشاحنة تنازع بدوياً في “غوري” حاول أخذه.. هو يجرّ من جهة، وهي تجرُّ من جهة.. شُحن المكان بإحساس عدوانيّ متبادل بين البدو وبين الحجاج.. استقر القرار على جمع الأشياء والمغادرة الفورية.. تصدّى بعض الحجاج لمواجهة البدو، فيما تصدى آخرون لوضع الأشياء في الشاحنة..

وعلى عجلٍ؛ ركب الحجاج الشاحنة.. تجمع بعض البدو أمامها.. لكن السائق كان شجاعاً؛ فحاول إخافتهم وحرّك شاحنته دون اهتمام.. عندها شعروا بجديته، وتفرّقوا.. مضت الشاحنة في طريقها، ومن خلفها البدو يرموننا بالحجارة”…!

المرحوم عبدالحميد البريكي في أواخر حياته

الملك يتدخل

لكنّ القصة لم تتوقّف عند هذا الحد.. يقول الدكتور حسن “بعد وصول الحملة إلى المشاعر المقدسة؛ أرسل أخي عبدالحميد برقية إلى الملك عبدالعزيز شخصياً، وشرح له ما حدث، وحدّد اسم المكان. ولم يكتفِ ببرقيةٍ واحدة، بل كرّرها مراراً لإظهار التظلم وتأكيده”. يضيف الدكتور حسن “فيما علمتُ لاحقاً؛ فإن الملك عبدالعزيز اتخذ إجراءً سريعاً، بمحاسبة البدو على ما بدر منهم، وحصل الحجاج على بعض التعويض”.

مضايقة الحجاج أو سلبهم أو ابتزازهم؛ كان من الأمور المتوقعة قبل ذلك الزمان. لكنها في المرحلة السعودية لم تعد كذلك. الصرامة جادةٌ جداً من قبل الحكومة. ولعلّ معرفة هذه الصرامة سببُ عدم تمادي البدو وتوقفهم عند حدّ محاولة السلب. ومع ذلك؛ أدركتهم المحاسبة السريعة.

فوات الحج

لا يتذكّر الدكتور حسن في أيّ الحجّتين وقعت هذه الحادثة. ربما في الحجة الثانية. لكنّه يجزم بأن حادثة تأخر الحجاج على المناسك وقعت في الحجة الثانية. وهو لا يتذكر سبب التأخر بالضبط. الذي يتذكّره أن الحجاج بعد فوات وقت المناسك.. لم يُدركوا شيئاً منها.. فاتهم الحج.

بعض الحجاج “زعلوا” جداً، وأحسُّوا بخسارة تعبهم، ووالده الشيخ وقع في حرجٍ شديد جداً. وفي حالةٍ كهذه؛ لا مجال للحجاج إلا أن يعدلوا عن “الحج” إلى “العمرة”.

(مصدر الصور القديمة: نورا البريكي)

الشيخ محمد صالح البريكي

  • ولد في القطيف سنة 1314هـ.
  • بعد تلقيّه تعليمه الدينيّ؛ مارس الخطابة والتعليم، بمعية شقيقه الشيخ الميرزا حسين البريكي.
  • عمل في خدمة الحجاج “حَمْلَدار”، وتولّى الإرشاد الديني بنفسه.
  • توفي في 11 جمادى الآخرة 1374.
  • خلّف 7 من الأولاد، و 4 من البنات.

أبناؤه

  • المرحوم عبدالحميد.
  • عبدالرزاق: متقاعد من أرامكو.
  • حسن: جرّاح متقاعد.
  • عبدالإله: عميد ركن طيار متقاعد، القوات الجوية.
  • عبدالله: كبير محاسبين متقاعد، الهيئة الملكية.
  • زكي: مهندس، صاحب مكتب البريكي الهندسي الاستشاري
  • شاكر: متقاعد، الهيئة الملكية.
من اليمين الشيخ ميرزا حسين البريكي، ثم الشيخ محمد علي الخنيزي، ثم الشيخ محمد صالح المبارك، ثم الشيخ محمد الصالح البريكي

 

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com