مؤيد الملا يسرد سيرة شهداء الصيام والدي عاملنا بعدالة.. و "عقيلة" حبيبتي وصديقتي

صفوى، سيهات: صُبرة، شذى المرزوق

الجرح عميق، والألم هائل، ولكن الصبر أعمق في صوت مؤيد زهير الملا.. الشاب المناهز على السابعة والثلاثين، أكبر الذكور الذي وجد نفسه أمام واحدة من أكبر دواهي الدنيا، فاقداً أمه وأباه وأخته وأخاه، في فجيعة حريق الخميس الأسود..!

صوت تحدث عمّن فقدهم فرداً فرداً، وبنبرة لم تخرج عن سمت  “إنا لله وإنا إليه راجعون”..

حبيبتي عقيلة

ما زال مؤيد يتذكر وجه شقيقته “عقيلة” الطفولي الصغير، فحين ولدت كان أول من رآها بعد والدتهم.

في لحظة حزن، استطاع فيها مؤيد ـ المهندسً في إحدى الشركات الخاصة والابن الأكبر في عائلة الملا ـ أن يتحدث لـ”صبرة” بالكاد يستجمع حروفه، ويسترجع حياته في كنف عائلته بدايةً من أصغرهم عقيلة التي اكتفى بوصفها وصوته يبح حزناً: “هي حبيبتي”.

مؤيد الملا الابن الأكبر

المتوهجة “عقيلة”

قبل أن يعود بذاكرته للوراء، حين استقبل أخته الصغيرة في أول لحظات خروجها للحياة، قال: “قبلتها وحضنتها وشممتها من أول لحظة خرجت فيها على الدنيا” ليكمل بعد برهة: كنت حينها في العشرين.. خريج ثانوية، أسرعت بوالدتي لمستشفى رأس تنورة بعد أن شعرت بألم الولادة، لأن والدي كان في عمله، وبمجرد أن وصلنا وأنزلتها في قسم الطوارىء، ذهبت لأركن سيارتي وعدت لأجد والدتي قد وضعت وليدتها.

الصغيرة كبرت حتى توهجت.. بسيطة، دافئة، مسالمة ووادعة، هادئة حتى خلال ولادتها، أبت أن تتعب والدتي كثيراً، وبالرغم من إصابة “عقيلة” بمرض الروماتيزم المزمن، الذي كان يسبب لها ألماً في مفاصلها لمجرد أن تقف طويلاً، إلا أنها كانت تساند والدتي وتساعدها قدر الامكان.

يصمت مؤيد قليلاً قبل أن يستطرد: كانت “عقيلة” ـ رحمها الله ـ طالبة مجتهدة ومجدة، تطمح لدراسة أي مجال هندسي، تقني، تريد أن تكون مختلفة حتى في خياراتها المستقبلية، ومع أنها بطبيعتها هادئة إلا أنها كانت تفاجئنا بحكمتها وأرائها ووعي تفكيرها.

يستدرك: تعلقت بـ”حبيبتي الصغيرة” منذ صغرها، أصبحت مرافقتي وصديقتي، كنا نلعب معاً ألعاب الكمبيوتر، وكنت أصطحبها معي حتى في فترة خطبتي لترافقني أنا وزوجتي، ورغم أني غادرت للدراسة في أمريكا إلا أني لم أنقطع عنها في الحديث والتواصل، وحين عدت وجدت صغيرتي كبرت، كنت أمني النفس أن أراها تحقق طموحاتها، ولكن قدر الله شاء أن ترحل عنا.

محمد.. والحور العين

يتوقف مؤيد وكأنه يلمح صورة ما ألحت عليه في مأساة عائلته، ولكنه يتمالك مشاعره ويكمل لـ”صُبرة” إن كان طموح “عقيلة” مختلفاً حيث العمل في الهندسة والتقنية، إلا أن شقيقي الراحل محمد (28 عاما) ـ الذي قضى نحبه في ذات الحادث ـ كان حريصا كثيراً على تطوير ذاته، حتى احتل منصباً متقدماً في وظيفته بإحدى الشركات البحرية التابعة لأرامكو السعودية.

ويكشف مؤيد جوانب في حياة أخيه الفقيد، مشيراً إلى أن الجانب الذي قد لايعرفه الكثيرون عنه، هو الهدوء  الذي طبع شخصيته، إذ كان يعكس بداخله شغفاً بالكتب، واحساس شاعر يحب الشعر ويكتبه، فكان يقرأ في الأدب، والفلسفة، والشعر.

يبتسم ابتسامة مهمومة، ليؤكد إن “محمد” بالمختصر – في حاله – بعيد عن المشاكل، حساس للغاية لدرجة أن خياراته في الزواج كانت صعبة مسترجعاً قول والدته: “علشان نلقى زوجة بمقاييس محمد معناها ندور إبرة في كومة قش”، ثم يستدرك بغصة ألم: “له الحور العين في الجنة ان شاء الله”.

واستأنف حديثه عن شقيقه، بقوله: “كان كريماً وسنداً لمن أراد فزعته”، وعدد الكثير من مواقفه الرجولية والإنسانية: “إن احتجت مالاً.. لايسألك لماذا ومتى سترجعها؟ بل يسألك تكفيك أم تحتاج أكثر ؟ لايتردد أبداً في تقديم يد العون للجميع”.

الوالدان.. وحديث ذو شجون

ولأن حجم الفاجعة ربما لا يتحمله بشر، يستذكر “مؤيد” والديه اللذين فقدهما أيضاً، ليكون الحدث أكثر من مجرد ذي شجون!.

يتمهل “مؤيد” وكأنه يحاول التماسك الممزوج بالصبر النبيل، فيتحدث عن والده بكثير من الامتنان، ويقول: رغم أنه ـ رحمه الله ـ كان يغيب في عمله (مهندس صيانة  في شركة أرامكو تحديداً في السفانية)ً ـ قبل أن يتقاعد ـ إلا أنه كان “يزعل حين ينام أحدنا قبل أن يكلمه، يتصل بنا يومياً، يتابع حركاتنا وسكناتنا، ولايقبل أن ننام قبل أن يسمعنا، حريص على نجاحنا، يوصينا دائماً بالابتعاد عن المشاكل، والتركيز في الدراسة، ويوصينا بوالدتنا التي حملت على كاهلها رعاية المنزل ومتابعتنا دراسياً أثناء غيابه، إلا أنه بمجرد أن يعود في إجازته يبدأ بمذاكرة ما استصعب على والدتي تعليمه لنا”. ويكمل بفخر شديد: تحمل من أجلنا كل شيء، كرس حياته لنا، حتى حين تقاعد بنى في المنزل شققاً لي ولإخوتي، حتى ” لا نتبهذل في الإيجارات” ليحفظ لنا حياة كريمة مستقرة، اشترى لكل منا سيارة، كانت القسمة بيننا عادلة حتى في تصميم الشقق نفس المقاييس للغرف، بنفس المساحة التي تشغلها مرافق الشقة كاملة”.

وعن والدته، يشير “مؤيد” إلى أنها ـ رغم إتمامها دراستها حتى الثانوية ـ فقد تفرغت بشكل كامل لأسرتها الصغيرة، لدرجة أنها كانت تقول مازحة: “إن مت فلن يأتي أحد لجنازتي والسبب إنني معزولة عن العالم، كل وقتي هو للبيت ولكم”. ثم يسحب شهيقاً حاراً ويعلق بألم: “لم  تعلم أنها ستموت شهيدة والناس جميعاً ترثيها”

يتوقف “مؤيد” لبرهة، ويستأنف حديثه واصفاً والدته الراحلة: “كانت لا تفوت فرضاً، ملتزمة بالفرائض الدينية، تؤدي صلاتها في وقتها، ملازمة لكتاب الله، لها من آيات الله ورد يومياً، بعيدة كل البعد عن افتعال المشاكل مع أحد، ترفض أن نتسبب بأي ازعاج للجيران، تحب الحيوانات الصغيرة بشكل لافت لدرجة أنها اذا وجدت قطة في الشارع تعود مسرعة للبيت لتأخذ بعض الطعام وتعود للشارع تبحث عنها وتطعمها”.

مهدي الملا الابن الأصغر

نحسبهم شهداء

تستشعر “صُبرة” دمعة تنحدر من عيني “مؤيد” وهو يحاول لملمة ما تبقى من عائلته ثم يتمتم بصوت خفيض: الحمد لله على قضائه.. نحسبهم شهداء عند الله، وبارك الله في شقيقتي بتول ـ بتول متزوجة وتعمل في إحدى شركات القطاع الخاص ـ وبارك أيضاً في  مهدي (21 عاما) ـ الموظف في أرامكو السعودية ـ وجعلهما خير خلف لخير سلف.. ويختتم: “لا أقول إلا ما يرضي ربنا.. إنا لله وإنا إليه راجعون”.

اقرأ أيضاً

عقيلة الملا.. الوردة التي تلبّست بهدوء النسمة

‫2 تعليقات

  1. انالله وانااليه راجعون
    المرجع لله الواحد القهار
    الحدث مفجع
    والعقول في ذهول
    والقلوب مفجوعه
    لكن عند الله ارحم الراحمين
    اختارهم في الشهر الكريم
    اللهم اجبر مصاب اهاليهم
    وانا لفقدكم لمحزونون
    ومفجوعون.. رحمكم الله واسكنكم مع محمد وال محمد ومع الشهداء.. أم جعفر سهام اليوسف

  2. إنا لله وإنا إليه راجعون
    رحمهم الله جميعا وحشرهم مع ساداتهم الأطهار
    فاجعة آلمت الوطن بكل أطيافه
    الهمكم الصبر.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×