الحملدار حبيب السيهاتي.. عاش مغامراً بين البحر والصحراء حكاية نصف قرن في خدمة الحجاج بدأت وانتهت على يديه

دخل المهنة في مرحلة تحوّل النقل من الجمال إلى القطار.. والمركبات

سيهات: شذى المرزوق

الزمان: سنة 1380. المكان: سيهات. الحدث: حملة حجّاج على وشك التحرُّك. كان الحملدار الحاج حبيب السيهاتي يرتّب آخر ما لديه ولدى حجاج حملته من أمور. هناك حافلة لا بدّ أن تنطلق إلى محطة سكة الحديد في الدمام، ليستقل الحجاج القطار، ويعبروا صحراء الدهناء القاحلة، وصولاً إلى العاصمة الرياض.. ثم بعد الرياض دربٌ آخر.. يطول ويطول حتى يصل إلى المدينة المنورة.. في الجزء الأول من رحلة الحج.

الحاج حسن السيهاتي

زمن مُتحوّل

هكذا بدأ الحاج حسن السيهاتي سرد حكاية حجه الأول مع والده الحاج حبيب. سرد القصة بحضور شقيقه الحاج عبدالله، وابنيه زكريا ومحمد. لدى الثلاثة إفادات من واقع تجربة، عن سيرة والدهم الحاج حبيب الذي عاش 82 عاماً، وأمضى أكثر من ثلثيْ عمره في خدمة الحجاج والمعتمرين، وبدأ مهنة “حَمْلَدار” في مرحلة زمنية مهمة، تحوّلت فيها وسائل النقل من قوافل الجِمال إلى المركبات. وحجة سنة 1380؛ كانت الأولى لابنه الحاج حسن، صاحب القصة هنا. ولكن رحلات حجّ “الحملدار” سبقت ذلك بسنواتٍ كثيرة. في تلك السنة؛ وجد الحاج حبيب وسيلة نقل أسهل ـ بكثير ـ من الشاحنات التي تعبر الصحراء وتعلق عجلاتها في الرمال. كان القطار موجوداً، وتستغرق رحلته من الدمام إلى الرياض 6 ساعات.

ثم يبدأ فصل جديد في الرحلة، عبر شاحنات يركبها الحجاج، ويتولّى دليلٌ إرشادها إلى الطريق حتى وصولهم المدينة المنورة. وفي المدينة يقيمون 10 أيام بلياليها، ثم يتوجهون إلى مكة المكرمة ويؤدّون مناسكهم.

الحاج عبدالله السيهاتي

ابن بحر سيهات

بدأ الحاج حبيب السيهاتي حياته من البحر. دخل الغوص في موسمه، وجرّب الصيد، وخاض عمل بيع الأسماك “جَزّافاً”، في السوق. وغامر في تصدير الأسماك مع شركاء، في الجبيل وراس تنورة. لكن قدره ـ حسب كلام ابنَيه ـ قاده إلى خدمة الحجاج. كانت البداية شراكةً مع الحاج محسن اليوسف، ثم شراكة أخرى مع الحاج منصور بن علي الزاكي. ثم آلت الأمور إلى الانفراد بحملته، ليُمضي أكثر من نصف قرنٍ فيها.

من 37 إلى 6 أيام

استخدم الحاج حبيب القطار في جزءٍ من رحلة الحج، من الدمام إلى الرياض. وباقي الطريق يُقطَع في شاحنات كبيرة. وبالتدرُّج تحوّلت الرحلة كلها إلى شاحنات الـ “ماك”، ثم دخلت الحافلات الصفراء. واختصرت المركبات رحلة الحج من 37 يوماً بالجمال إلى 6 أيام. ومن قرابة 35 نقطة توقف إلى 6 نقاط. تبدأ بـ “خريص” أو “الوسيع”، ثم “الرياض” ثم “الدوادمي”، أو “مرات” ثم “عفيف” ثم “الحناكية” ثم المدينة المنورة. وصار الحجاج يحصلون على ثلاث وجبات في اليوم أثناء الطريق، يُعدّها طبّاخو الحملات.

الشاحنات تنقل مؤونة الحجاج وبعض “العفش”، والحافلات تنقل الركاب. تسبق الشاحناتُ الحافلاتُ وتتوقف في نقاط الاستراحة، وتعدّ الطعام، وعلى هذا النمط تسير الرحلة.

خاض الحاج حبيب هذا الغمار، مستعيناً بابنيه “حسن” و “عبدالله”، وبعض أحفاده أيضاً. لكن ابنه الثاني كان الأكثر مرافقة لوالده لسنواتٍ طويلة. ويقول الحاج “عبدالله” إن بعض الحملات كانت تُسيِّر 4 حافلات أو 5، وكان والده يُديرها بهدوء وصبرٍ شديدين.

فحص المركبات

لسنواتٍ طويلة؛ كانت حملات حجاج القطيف تنطلق من المنطقة المعروفة بـ “البدراني”. وقبيل المغادرة؛ كان يأتي مندوب من المرور لفحص المركبات. كانت الشروط صارمة، وتفرض أن يكون السائق ميكانيكياً أيضاً، ولم يكن يأذن بسفر مركبة إلا باستيفاء الشروط.

وعن تكلفة الحجّ يقول الحاج حسن إنها كانت ـ في تلك السنوات ـ بين 150 و 200 ريال، ثم أخذت في الارتفاع عاماً بعد عام. وكلّ شاحنة تستوعب بين 50 و 70 حاجاً. أما الحافلات الصفراء فأكثرها يستوعب 49 حاجاً، وقليل منها ما يصل إلى 60.

زكريا حسن السيهاتي

شهادة حفيد

الحفيد زكريا حسن السيهاتي رافق جده أول مرة عام 1401هـ.. كان وقتها طالباً في الأول متوسط.. ثم توالت الرفقة مع الجد “الحملدار”.. وحتى ذلك العام كانت الحملة تأخذ معها المؤونة كاملة.. تشتري الرز الغذائية من محلات حجي هلال مبارك، وتحرص على حمل حليب “أبوعلم” الذي لم يكن متوفراً في الحجاز في ذلك الوقت. وكانوا يجففون السمك والربيان ويأخذونه معهم، ليعدّه الطباخون الذين يذكر منهم الحاج عبدالله الشويخات، والحاج رضا بن دبيس، وآخر اسمه الحاج مدن.

بل كانت الحملة تأخذ معها حتى عبوات الماء المعدنية، وتعلقها على جوانب الشاحنات، لصعوبة توفر ماء في الطريق.

ومن السائقين الذين عملوا مع الحاج حبيب: عبدالغني مشامع وعمار سواد وعبدالله السالم وكلهم من سيهات. أما من القطيف؛ هناك: نادر الزاير وعلي المسموم، وغيرهما.

لكنّ أكثر وجه رافق الحملات كان وجه الملا حسن باقر، من حلة محيش، الذي أدّى دور المرشد الديني لأكثر من ثلث قرن.

السكن

أما عن أماكن السكن في الحج؛ قال الحاج حسن “كانت مواقف الشاحنات في باحة الرشيد، وكنا نستعين بشيخ الدلالين ـ وقتها ـ إبراهيم السمان الذي كان يتولى موضوع السكن. وقد سكنا في “شعب عامر” و “دخلة الجن”، بينما كانت أبعد نقطة سكن لنا في “المعابدة”، حيث كنا نوفر حافلات لإيصال الحجاج إلى الحرم على مسافة ٨٠٠ متر.

 بداية ونهاية

عاش الحاج حبيب السيهاتي 82 سنة، قضى سنواتها الثلاث الأخيرة متوقفاً عن العمل، بعد أن أنهكه الترحال بين الشرقية والحجاز لأكثر من نصف قرن. ويبدو أنه أعدّ جيلاً جديداً ليخلفه في العمل. والأكثر ترشيحاً لذلك هو ابنه الثاني “الحاج عبدالله”، لكن خبرته الطويلة في هذا المجال لم تشجّعه على الاستمرار. ثم هناك حفيده زكريا وشقيقه محمد اللذان تعوّدا مرافقته واكتسبا معرفةً وخبرةً وصبراً.. ولكن يبدو أن الحكاية بدأت عند الحاج حبيب، واختُتِمت على يديه.

الحاج حبيب إبراهيم سالم السيهاتي

  • مولود في ديرة سيهات سنة 1333هـ.
  • تعلم القرآن والقراءة والكتابة لدى المعلّم.
  • بدأ حياته غوّاصاً وبحّاراً.
  • عمل في بيع الأسماك بالتجزئة “جزّاف”.
  • عمل في تصدير الأسماك عبر فرضتي الجبيل وراس تنورة.
  • بدأ العمل في خدمة الحجاج بالشراكة في البداية.
  • استقلّ بعمله وامتنهن “الحملدارية” كعمل موسمي في الحج والعمرة.
  • توقف عن عمله في موسم 1412.
  • انتقل إلى رحمة الله سنة 1415هـ.
  • أنجب اثنين من الأبناء، و 6 بنات.
في أواخر حياته

 

مع ابن له وبعض أحفاده
في استراحة بطريق الحج
الحاج حبيب في أواخر حياته
الملا حسن باقر، رافقه مرشداً دينياً لأكثر من ثلث قرن

 

الأخوان حسن وعبدالله السيهاتي
محمد حسن السيهاتي

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com