الأسرة والتهيئة النفسية للعودة الحضورية للمرحلة الابتدائية

عبدالإله التاروتي*

ثمة هواجس مشروعة تنتاب أولياء الأمور بشأن العودة الحضورية للتعليم في رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية. وهذه الهواجس لم تولد من فراغ؛ بل هي نتيجة طبيعة لإحدى نتائج جائحة كورونا وما صاحبته من خبرات متفاوتة بين الأفراد والتي استمرت لعامين كاملين ولا تزال. 

وقيمة هذه الهواجس أنها تعبر عن تساؤلات تبحث لها عن إجابة، إذ الكثير من هذه الهواجس والمشاعر المضطربة هي نتيجة إما لمعلومة ناقصة أو مشوهة وضبابية أو غير صحيحة قد استقيت من غير مصادرها المعتمدة، الأمر الذي يترتب على السير وراء المعلومة الخطأ إلى اتخاذ موقف يعزز بدوره من حدة وشدة هذه الهواجس.

أو تعبر هذه الهواجس عن معلومة صحيحة غير مشوشة وإنما يسعى أولياء الأمور من خلال بث تساؤلاتهم للتعرف على آلية العمل والخطة التنفيذية التي سيتم تطبيق إجراءاتها في البيئة المدرسية والصف الدراسي وما يتعلق بالإجراءات والاحترازات الوقائية التي سيعمل على تطبيقها في اليوم الدراسي. 

وبذلك تمثل هذه التساؤلات فرصة طيبة لصانع القرار لمقابلة هذه الاحتياجات التي يعرضها أولياء الأمور في صور وأشكال مختلفة من أدوات ووسائط التواصل الاجتماعي. وسواء كانت هذه الهواجس طبيعية أو غير طبيعية فان التوفر والحصول على ما يبدد هذه الهواجس والمشاعر القلقة هي اللبنة الأساس في مجموعة القرارات المنظمة للعودة الحضورية للدراسة من لدن مقام وزارة التعليم؛ بما تحققه من أهداف تعمل على تهيئة نفسية وإرشادية للطلبة وأولياء الأمور.

وفي مجملها تتضمن أربعة محاور رئيسة هي:

– طمأنة الطلبة وأسرهم بسلامة وأهمية العودة الحضورية.

– تعزيز السلوك الإيجابي بتطبيق الإجراءات الاحترازية في المدرسة.

– زيادة دافعية الطلبة للتفاعل مع الأنشطة التعليمية.

 – تفعيل التواصل مع الأسر وأولياء الأمور والإجابة عن تساؤلاتهم واستفساراتهم.

علما بأن العودة الحضورية ليست على اطلاقها وإنما هي مقننة ضمن مستويات أربع ( منخفض؛ متوسط؛ عالي؛ عالي جداً) لعدد الطلاب الذين يتواجدون في الفصل خلال اليوم الدراسي؛ ضمن مسار الخطة التشغيلية للمدرسة (A.B.C ) وذلك لتحقيق التباعد؛ وكذلك استثناء طلاب الأمراض المزمنة من الحضور؛ حيث يواصلون تعليمهم ضمن القنوات التعليمية عن بعد. يساند ذلك مباشرة وزارة الصحة ضمن الجهود لمواجهة تفشي وانتشار فيروس كورونا البدء في إعطاء اللقاح ضد فيروس كورونا للأطفال في عمر (5- 11 سنة).

 مسلمة الدعم والمساندة النفسية

وما ينبغي تفهمه أن التجربة التي مر ولا يزال يمر بها المجتمع من جراء جائحة كورونا وتداعياتها المختلفة من طبيعتها أن تفرز مشكلات عديدة في المناخ الأسري تحديدا، وإن بدت بدرجات مختلفة قوة وضعفا تبعا للموقف الضاغط الذي مرت به هذه الأسرة أو تلك أثناء الجائحة؛ كالفقد لعزيز؛ أو الإصابة للأسرة أو أحد أفرادها؛ ناهيك عن تغير في كثير من أنماط الحياة اليومية بدءاً بنظام النوم وليس انتهاء بالتغذية والممارسات الحياتية ذات الصلة بمنحى شبكة العلاقات الاجتماعية.  

فالمشاعر مختلطة وليست على نمط وسلوك واحد من كل أولياء الأمور من الفعل ورد الفعل؛ وكذلك بالنسبة للطلبة الأعزاء، هذه مسلمة ينبغي التأكيد عليها وأن تكون حاضرة أثناء تقديم الدعم والمساندة النفسية الإرشادية من فريق العمل بالمدرسة تجاه طالبي الخدمة من الطلبة وأولياء الأمور. فكل خطوة إيجابية وإن بدت صغيرة في هذا الطريق الطويل هي مهمة وعلى درجة عالية من الأهمية ؛ إذ كثيرا من الخطوات الصغيرة هي محطة  لتحقيق أهداف كبرى في ميدان السلوك الإنساني؛ فالابتسامة مثلا هي إكسير مهم في بث روح الطمأنينة والثقة في نفس الطالب بل وتقدم جرعة عالية من بث روح الأمان الذي يبحث عنه طفل رياض الأطفال؛ والطفولة المبكرة  والصفوف العليا من المرحلة الابتدائية. وما يقال عن الابتسامة ينسحب على الكلمة الطيبة المشحونة بصدق العاطفة لأن هذه الآليات والتقنيات السلوكية هي الوسيلة الناجحة لكسر الحاجز النفسي الذي يخيم عادة في اللقاءات والمقابلات الأولى بين الأفراد والتي تساهم في خلق أجواء مفعمة بالمحبة مما ينتج عن هذا السلوك الإيجابي إلى المساهمة في تكوين بيئة مدرسية جاذبة تبدد الكثير من التصورات الذهنية الخاطئة، سواء تلك التي في ذهن وتفكير الطالب أو ولي الأمر؛ وهنا نحن نتعامل مع مشاعر وأحاسيس إنسانية في علاقة تبادلية بين جميع الأطراف ذات العلاقة.

 

الجائحة وسلوك التنمر

من غير شك تأثرت العلاقات الاجتماعية بسبب الاحترازات والتباعد؛ ففقد الكثير من التلاميذ صداقاتهم وظهرت أنماط جديدة من العلاقات الافتراضية وبعضها غير مرغوب ولا مقبول؛ كما أن سلوكيات التنمر الإلكتروني والشعور بالوصمة في حالة الإصابة أو التعليقات التي يتناقلها التلاميذ والسخرية من أقرانهم تحد من بناء علاقات اجتماعية صحية سليمة…وهنا تأتي أهمية رصد السلوكيات الغير مرغوبة وذلك للعمل على معالجتها ومساعدة ضحية عملية التنمر من التداعيات السلوكية والتحصيلية. فهذا أمر متوقع مع العودة الحضورية. وما نفترضه في رصد سلوك التنمر المدرسي؛ أو الإلكتروني من قبل المدرسة هو عينه ما ينبغي أن تقوم به الأسرة فتعمل لفتح خط اتصال فيما بينها وبين المدرسة لمعالجة المشكلة. 

الطفل ورصد السلوك

 للطفل حاسة قوية في رصد الفعل ورد الفعل؛ ولذلك فهو يرصد كل حركة تصدر من هذا الفرد أو ذاك خصوصا إن كان هذا الفرد يحمل سمة الرمز والسلطة (أب؛ أخ؛ أخت؛ عم؛  معلم؛ معلمة … إلخ) فالطفل  لا ينظر لهؤلاء بوصفهم مجرد شخوص وأسماء فقط؛ وإنما ينظر إليهم بوصفهم الاعتباري بما تنطوي عليه صفتهم من قدوة وأنموذج يتمثله؛ من هنا نشد على أيدي  الإخوة والزملاء المعلمين والهيئة التعليمية والإدارية في المدرسة؛ والأسرة – وهم أهل ذلك – للتقيد بالاحترازات الوقائية من لبس الكمام والتباعد؛  فلكي تقنع الطفل بالاستمرار في لبس الكمام هو بحاجة ماسة إلى أن لا تقع عيونه على نقيض ما يؤمر به من لبس الكمام والتباعد . خصوصا وأن التفسير الذي يتصوره الطفل وما يستتبع هذا التصور من أحكام يختلف تماما عن تفسيراتنا نحن الكبار والراشدين. قد يكون الطفل غير قادر في التعبير عن مشاعره لكنه على درجة عالية في قراءة السلوك بناء على خبراته وتجاربه وخصائصه النفسية ومهاراته الحياتية فهو في مرحلة التكوين والتشكل؛ وهنا دواعي التأكيد على الالتزام بالتوصيات المنظمة في مواجهة الجائحة؛ وإذ نؤكد على هذه المفردة فلا نأتي بها من باب الترف اللغوي؛ وإنما مقتضى المسؤولية يفرض التنبه لها وذلك لأن الكثير من الممارسات الإيجابية ينبغي التواصي بها فلربما قادت الألفة للشيء إلى عدم الالتفات للمكتسبات التي تحتويه.

الأسرة والتهيئة النفسية

الأسرة بما تمثله من خط الدفاع الأول في عملية التنشئة الاجتماعية للطفل؛ فإن من مستلزمات هذا الدور العظيم تهيئة المناخات الصحية السليمة لأفرادها ما وجدت لذلك سبيلا ومنها التهيئة النفسية للأبناء للتعليم؛ وأن تكون مصدر لحل الأزمات والعقبات التي تواجه أفرادها، لا أن تكون سببا ومصدراً للقلق والتوتر. – وبحسب المركز الوطني للصحة النفسية- في دور الأسرة للتهيئة النفسية في مساعدة الأبناء للعودة الحضورية للدراسة توصي بمجموعة من المقترحات ومنها: 

▪️ابدأ الحوار: تعرف على مخاوف طفلك؛ أطفالك بعد كل الذي تعرضوا له في أوقات الجائحة الصحية، تحدث معهم عن العودة للحياة الطبيعية والمدرسة؛ ولا تحاول أن تكون بعيداً أوغير مهتم، ما تعتبره أنت طبيعي وعادي قد يكون مصدر قلق وخوف كبير لديهم.

▪️استعادة نمط النوم: النوم مهم للصحة النفسية والجسدية واستعادة نمط النوم الطبيعي بشكل تدريجي مهم؛ وأن يكون ممارسة مشتركة لجميع أفراد الأسرة.

▪️الخوف من المدرسة: الخوف من العودة للمدرسة شعور طبيعي ومتوقع وعدم إنكاره أو تجاهله؛ تقبل مشاعرهم وساعدهم على تجاوز مخاوفهم.

▪️كن متواجداً وحاضراً: الفترة الأولى تتطلب تواجد لأطول فترة ممكنة لمناقشة الأحداث والمواقف اليومية ومراجعة أي ملاحظات أو مخاوف. بادر بالسؤال ولا تفترض أن الأمور تسير بشكل هادىء وطبيعي؛ البعض من الأطفال لا يتحدثون عن مخاوفهم.

▪️شاركهم الأشياء الإيجابية: تحدث معهم عن نجاحاتهم وكيف أنهم كانوا متميزين في التعامل مع الجائحة؛ وغيرها من النجاحات التي كانوا ينجزونها.

وفي الختام … تبقى مسألة التهيئة النفسية للعودة للدراسة الحضورية للمرحلة الابتدائية عملية مشتركة تكاملية كل حسب مقتضى الدور المنوط به في هذه العملية؛ إن على مستوى الأسرة؛ أو المدرسة ممثلة في الهيئة التعليمية والإدارية؛ كل ذلك من أجل تهيئة بيئات صحية وجاذبة للطالب تساعده وتعينه على ما قد يحول بينه وبين التكيف والتوافق النفسي والاجتماعي في البيئة المدرسية والأسرية!

مضافا إلى ذلك كله يقف خلفه منظومة العمل المستدامة لإدارت التعليم؛ ومكاتب التعليم؛ وإدارة التوجيه والإرشاد؛ ووحدات الخدمات الإرشادية؛ التي تقابل الاحتياج بما يقابله من قرارات يسعى من خلالها لإدارة الأزمة وتوجيهها بالشكل الذي يسهم لاتمام العملية التعليمية وبما يحقق الأهداف العليا للتعليم. ومنها رفع معدل الصحة النفسية عن طريق وضع الطلاب في جو تعليمي ملائم.

ـــــــــــــــــــ

* مشرف تربوي مكتب التعليم بمحافظة القطيف

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com