لماذا لا يوجـد لدى العـرب موسيقى؟

محمـد السـنان*

سألني بعض الأصدقاء المتذوقين للموسيقى، لماذا لا توجد لدينا موسيقى صرفة غير مصاحبة للغناء، كالسيمفونيات وغيرها من قوالب الموسيقى العالمية..!!،  وقد استفزني هذا السؤال فأردت أن يكون جوابي عبر هذه الصحيفة لكي يستأنس به كل متذوقي الموسيقى والذين قد يدور في رؤوسهم نفس السؤال.

إن التذوق الموسيقي الآلاتي يختلف عن التذوق الموسيقي المصاحب للغناء.  فالأول يحتاج إلى تربية ونشأة في بيئة تكون الموسيقى الآلاتية فيها جزء من ثقافتها وممارستها اليومية، وتقدم ضمن المناهج المدرسية كمادة علمية وفنية في نفس الوقت، تترسخ في ذهن الطالب عن طريق الاستماع والممارسة اليومية، وبذلك تنمو لديه الذائقة لحب الموسيقى الصرفة (الآلاتية)، بل ويستمتع بها كعالم قائم بحد ذاته..  لذلك نجد أن الغرب يؤثر الاستماع للموسيقى الصرفة أكثر من الاستماع إلى الموسيقى المصاحبة للغناء.  بل إن الأغاني نفسها يتم عمل نسخه منها مرادفة عند طرحها في الأسواق بالموسيقى فقط، وتتولى إحدى الآلات القيام بأداء الصولو بدل المغني.

أما بالنسبة للموسيقى العربية، فأستطيع أن أقول جازماً دون حرج ودون تردد بأنه لا يوجد لدينا ما يستحق أن نسميه موسيقى.  فالموجود لدينا غناء بمصاحبة الآلات الموسيقية فقط، وذلك يعود الى أن تركيبة ثقافتنا – منذ أن عرف العرب الآلات الموسيقية- هي في الأساس قائمه على الكلام، كالشعر المقفى أو النبطي أو ما شابه ذلك، فالكلمة عند العرب هي السيف وهي أداة التفاخر والمديح والهجاء، الخ…

ولم يحدث خلال مراحل تطور الحضارات العربية أو الإسلامية المتلاحقة أن أدخلت الموسيقى ضمن مناهج التعليم المدرسي،  وذلك لاستهجان الموسيقى ومن يتعاطاها، وبذلك فحاسة التذوق الموسيقي لم تبنى لدى الإنسان العربي.  حتى بعد أن افتتحت المعاهد الموسيقية في معظم البلاد العربية لم تهتم بالإعتناء بتنمية الذائقة الموسيقية، وإنما ركّزت جلّ اهتمامها على تدريس كتابة وقراءة النوتة الموسيقية ومعرفة المقامات الشرقية وقوالب الغناء الشرقي التركية والفارسية.  ولهذا السبب أهملت معاهدنا أهم أسس البناء الموسيقي مثل الهارمونية والبوليفونية، وإنما اكتفت بالمونوفونية، لأنها الوحيدة التي تلبي احتياجات الغناء الطربي.  وبناء على ذلك، لم ينتج لنا كبار موسيقيينا وملحنينا موسيقى خالصة، على غرار السيمفونية أو الكونشيرتو أو السوناتا.

قد يقول البعض أن الموسيقارين محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي وغيرهم قد ألفوا مقطوعات موسيقي’ آلاتية، وهذا صحيح إلى حد ما، فعبد الوهاب مثلا قد ألف عشرات المقطوعات الموسيقية، لكن تلك المقطوعات قد تم تأليفها من أجل أن يرقص عليها، فهي أقرب إلى أن تكون قطع موسيقية للكاباريهات والكازينوهات، لاعتمادها أساساً على الحركات الإيقاعية المتنوعة التي تتطلبها الرقصات الشرقية أكثر من اعتمادها على البناء اللحني العميق، فهي ليست موسيقى للتأمل، لأنها خالية تماماً من أية جماليات لحنية ذات عمق فني، كما أنها لم تبن على التوزيع الهارموني أو البوليفوني الأوركسترالي، وإنما تم تأليفها لتعزف من قبل تخت شرقي، باستثناء مقطوعتين قام بتسجيلهما في باريس عام 1962م وهما (حياتي) و (الخيام)، اللتين تم تنفيذهما بتوزيع أوركسترالي.  وقد كانت آخر مقطوعة موسيقية لعبد الوهاب في حياته هي “قمـر” التي ألفها خصيصا لترقص عليها “نجوى فؤاد”، وذلك في عام 1978م.

هذا طبعا لا ينفي أن عبد الوهاب لم يكن قادرا على تأليف قطع موسيقية راقية وثرية… بل على العكس من ذلك فقد كان يدرك بأن تأليف قطع موسيقية آلاتية تتطلب أن تكون هناك آذان تتذوق الموسيقى غير المصاحبة للغناء، وأن تأليف موسيقى سيمفونية سوف لن تتقبلها الأذن العربية وبذلك لن ينجح المنتج، مستفيداً من تجربة الموسيقار عطية شرارة الذي ألف خمس كونشيرتات ومجموعة من السوناتات التي لم يكتب لها النجاح بسبب عدم تقبل الشارع لهكذا موسيقى.  وكذلك فعل الموسيقار توفيق الباشا الذي ألف مجموعة من السيمفونيات التي لقيت نفس مصير أعمال عطية شرارة.

 في عام 2000م قام الموسيقار غازي علي بتأليف وتنفيذ ست مقطوعات موسيقية وأنتجها على حسابه الخاص ضمن ألبوم (إشراق)، وكان يهدف من ذلك ملئ الفراغ الموسيقي الذي هجره أساطين التلحين والتأليف الموسيقي في العالم العربي، الذين ركزوا كل جهودهم في تلحين الأغاني باعتبارها مصدر دخل مادي مجزي. وقد انتهج غازي علي أسلوب أستاذه الموسيقار رياض السنباطي الذي لم يكن مزاجه الموسيقي يتقبل سوى موسيقى التخت الشرقي. علماً بأن تكلفة انتاج مقطوعة موسيقية ذات بناء وتوزيع أوركسترالي يتطلب تكلفة عالية جداً من الصعب تسويقها لتغطية تكاليفها وتحقيق ربح مضمون لشركات الإنتاج.  

وقد أدرك عبد الوهاب هذه المشكلة مبكراً ووجد أن الوسيلة الوحيدة لتحقيق ذلك هو التمرد على قوالب الموسيقى الشرقية السائدة بشكل متدرج عن طريق دس إبداعاته في التأليف الموسيقي من خلال المقدمات الموسيقية الطويلة لبعض أغانيه مثل “بفكر في اللي ناسيني” التي صدّر مقدمتها بمقطوعة موسيقية رائعة ثم صبها بذكاء في قالب شرقي رائع فرضها على أذن المستمع من خلال الأغنية… وقد تقبلتها أذن المتلقي بإعجاب دون أن تدرك بأن عبد الوهاب إنما أراد بتلك المقدمة أن يعّود أذن المستمع العربي على تذوق الموسيقى.  مع أن بعض النقاد قد اتهمه بتغريب الأغنية العربية من خلال تلك المقدمة التي تحمل الطابع السيمفوني  الغربي. 

كذلك قام عبد الوهاب بإسناد بعض أعماله التي ألفها في منتصف الخمسينات إلى الموزع المجري المستشرق (أندريا رايدر) الذي قام بإخراجها بتوزيع أوركسترالي مثل (أنا والعذاب وهواك) و (لا مش أنا اللي أبكي) وقد حاول أن يفعل الشيئ نفسه مع ألحانه التي قدمها لأم كلثوم والتي دس فيها الموسيقى بشكل كبير جداً بدءاً من (أنت عمري) وحتى آخر لحن له معها (ليلة حب) مروراً برائعته “ودارت الأيام”. فالمستمع إلى هذه الأغنية سوف يدرك بأن ما فيها من الموسيقى يفوق كثيراً مابها من غناء، برغم أن هذه الألحان التي قدمها عبد الوهاب لأم كلثوم لم يتم تنفيذها بتوزيع أوركسترالي لعدم تقبل أم كلثوم لذلك، بل إنها كانت معترضة حتى على إدخال أي آلة غربية في أغانيها لولا قيام عبد الوهاب بإقناعها بشق الأنفس بقبول الجيتار في أغنية “أنت عمري”، ممهداً الطريق بعد ذلك لـ “بليغ حمدي” و “رياض السنباطي” لإدخال الآلات الأخرى مثل البيانو في “أراك عصي الدمع” والأورغ في “أقبل الليل”.  كما أننا سنجد أن الموسيقار محمـد الموجي قد فطن لأسلوب أستاذه محمـد عبد الوهاب عندما أسند توزيع أغنية (جبّار) لعبد الحليم حافظ إلى الموزع (أندريا رايدر) ليخرجها بتوزيع أوركسترالي في منتهى الرقي والعذوبة.  ومع ذهاب هؤلاء الرواد ذهبت معهم المقدمات الموسيقية الطويلة التي كانت تهدف إلى ترغيب المستمع العربي وتنمية ميوله للموسيقى، ولكن للأسف مشروع محمد عبد الوهاب في تنمية الذائقة الموسيقية تم وأده وبوحشية من قبل هذا الجيل الذي لا يعرف من الموسيقى سوى الهرج والمرج والصخب وهز الأكتاف والأرداف.

ولكي تكون لدينا أجيال تحب وتستمتع وتتذوق الموسيقى الصرفة (الآلاتية)، فلابد من أن تكون الموسيقى ضمن المناهج المدرسية التي تزمع وزارة التعليم تطبيقها على جميع المدارس الحكومية والأهلية، على أن تستبعد من تلك المناهج القوالب التركية والفارسية التي أكل الدهر عليها وشرب، والتركيز بشكل خاص على الموسيقى العالمية والكلاسيكية، ومحاولة شرحها للطلاب لكي يفهموها ويستوعبوها ويهضموها ومن ثم يتذوقوها، وبدون ذلك، فلن توجد لدينا موسيقى.

ــــــــــــــ

*كاتب وباحث ومؤلف موسيقي

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com