[ميناء القطيف 52 ـ ج1] نظّفت مكاتب أرامكو ووزنت “السلوق” مكتبة الفارس كانت مدخلاً إلى الثقافة.. ومعرفة "عبدالوهاب" قادتني إلى الشعر

النهاية المحزنة للميناء

عدنان السيد محمد العوامي

هداياه أهدتْ لأرواحنا

بإحسانه أَنْعُما بعد بُوسا

فأحيا نفوسا، وأذهب بوسا

وأخلى حُبوسا، وأجلى مُكُوسا([1])

وشاع الأمانُ، فكادت تعيش

به الرِّممُ الساكنات الرُّموسا

ظافر الحداد([2])

أَلا اِبنَ المُعَلّى خِلتَنا وَحَسِبتَنا

صَرارِيَّ نُعطي الماكِسينَ مُكوسا

فَإِن تَبعَثوا عَيناً تَمَنّى لِقاءَنا

تَجِد حَولَ أَبياتي الجَميعَ جُلوسا

يزيد بن الخذَّاق الشني([3])

آن الأوان لأن أختم رحلتنا مع هذا الميناء العتيد، فقد قطعنا مدىً عمره إحدى وخمسون حلقة، عبرنا خلالها عصورًا وأزمنة، وأنصتنا لأحاديث أعيانٍ وأعلام، وخضنا خضمَّ وقائع، وغمار أحداث، بوسع اليسير منها أن يمسح الأثر من الذاكرة مسحًا مبرما، فحَبَّذا لو أذنت لي -قارئي العزيز – أن أذكِّر بما ابتدأت به الحلقة الأولى عن حافزي لهذه الرحلة. قلت: (القصائد التي اشتمل عليها ديوان (بقايا الرماد) لم تكن كلَّ ما لملمتُه من بين رماد البيت الذي اختلط برماد جسد صديقي الحبيب عبد الوهاب حسن المهدي (رحمه الله)، وسخام أجساد ذُرِّيته؛ زوجِه وأطفاله، ودواوينه؛ ليلة أضرم القضاءُ لاهبَ سُعاره فيه، فَجْرَ السابع من صفر سنة 1406هـ، فالذي بقيَ بحوزتي من قصاصات قصائده أكثر مما احتواه الديوان، وكان يتعين أن يبارح غُبرة الرف في أثره، لكن مشاغل الزمن، وعواديَه – وإن كانت لا تشفع لي في تأخيره – صرفتني عن إظهاره، ومن بينها قصيدة: (ميناء القطيف).

تلك القصيدة لها سمة وثائقية مهمة، فميناء القطيف ميناء عريق عراقةَ القطيف نفسها، شهد همهمة القراصنة، ووطءَ أقدام اللصوص، وقعقعة أسلحةَ الجبابرة الغزاة، ووعت مسامعُه عويلَ النادبات، وهنَّ ينتظرن جنائز الغرقى غب الزوابع والأعاصير العاتية، وتصادمت – تحت قلوع مواخره – دندنات النَّهَّامين بالهولو، واليامال، وشهيق أنفاس الغواصين، وهسهسة النضار ترتعش بها أكفُّ باعة التوابل والتمور والسلوق([4])، وتجار اللؤلؤ (الطواشين)، وزغردات الصبايا في مواكب الأعراس، منطلقةً صوب شاطئ الحسينيَّات على ساحل تاورت الغربي في طريقها البحري حاملة مباخر العود والعنبر، وطاقات الرازقي والريحان، ومتَّشحة بعطور (العبَايات والنفانيف)؛ لتؤدِّيَ طقوسَ نذورها لله سبحانه في مسجد الخضر (عليه السلام)، وفي ذلك المدخل استأذنتك في الرحلة، ومما قلت: (ما رأي قارئيَ العزيز – قبل الولوج إلى القصيدةِ وصاحبِها – أن آخذَه في جولة ألِمُّ فيها معه بنبذة عن الميناء، وأحواله عبر العصور، قد تكون مؤنسة، وقد لا تكون؟)، ويقينًا إنك تود معرفة شيء عن منشئ القصيدة عبد الوهاب المجمِّر (رحمه الله).

من هو عبد الوهاب؟

عبد الوهاب – لمن لا يعرفه – هو: ابن حسن بن مهدي، وشهرته المجمِّر، ولد في يوم من أيام سنة 1358هـ، أو إحدى لياليها، حصل على درجة الابتدائية عام 1375هـ، من مدرسة البحر، (سميت مدرسة الإمام الحسين بن علي “عليه السلام” بعد تسمية المدارس). شاعر موهوب، طفق ينثر شعره في الصحف وهو – بعدُ – على مقاعد الدراسة. وبعد تخرجه من المدرسة عمل كاتب مستودع بجمرك القطيف، كان أبوه يعمل مراسلاً بالمدرسة التي تخرج منها، وفي اليوم الثاني من التحاقه بالعمل استقال أبوه من عمله، أخذًا بالمثل: (لا يجتمع سيفان في غمد واحد، ولا ضُرَّتان تحت سقف).

تعرُّفي إليه

في ذلك تفاصيل لا يحسن الولوج إلا من باب سيرتي الشخصية.

بلدة التوبي المشهورة بغزارة العيون، ووفرة الليمون هي:

بِلادي، بها حلّ الشباب تَمائمي

وَأوّل أرضٍ مسَّ جِسمي تُرابُها

ولتعذرني صاحبة البيت (جمل([5]) السلمية) إن أضبط اسمها؛ لجهلي إن كان بفتح الأول والثاني، أم بضم ثم سكون، فكل مرادي أنني في تلك القرية ولدت([6])، وبها نشأت، وأدخلت (المعلمَ)، أو الكُتَّابَ حسبما ينطق المحْدِثون، وفيه عُلِّمت تلاوةَ المصحف الشريف، وشيئًا من سقيم الكتابة {لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِى مِن جُوعٍ} (الغاشية: 7 ) ، لكنَّ ذاك القدْرَ – في ذلك الزمن – كان كافيًا لأن يُدخل صاحبه حضيرة([7]) الكتَبة، ولو لم تكن إلا فرحةُ أمي (رحمها الله) باستغنائها بوحيدها عن قطع المسافات إلى بلدة باب الشمال كي تملي على الملا سليم ابن قاسم المدن الجارودي (رحمه الله)([8]) ما تنظمه من شعر بلهجتها الدارجة في آل البيت النبوي مدحًا ورثاء، وبعد وفاتها (رحمها الله) ضحى عيد الأضحى سنة 1368هـ: 2/12/1949م أجبرت على أن أقتحم المعترك، ويا له من معترك شاقٍّ مجهد! تنقَّلْت فيه من عمل مضنٍ زهيد في ميزان السلوق، فكان بابًا لشوط طويل في دروب التعاسة والشقاء، بدأ بالعمل بمهنة كرَّاني([9])، لدى صاحب دكان يبيع موادَّ غذائية في الظهران، مشاركًا عمي السكن في (عِنَّته)([10])، في الحي السعودي، ولم أكد أنهي الشهر الأول من العمل لديه حتى أعفاني من العمل بسبب جهلي الطبخ.

في سنة 1950م: 1369 – 1370هـ عملت منظفًا للأرصفة بحي كبار الموظفين الأمريكان بسكة الحديد في الدمام، لدى مقاول النظافة الشيخ سلمان أبو بشيت (رحمه الله)، براتب قدره وعده أربعة ريالات، كافية لسد حصتي من أجور (البرستج) في (حي العدامة) قبل أن يخطط وتزال منه الكثبان، ناهيك عن حمل (السفر طاس)([11]) لحمل وجبة الغداء ، وأجرة النقل بين القطيف والدمام في العطلة الأسبوعية، وبعد قرابة عام فصلت خير فصلة، فالتحقت بإحدى شركات القصيبي في تنظيف حي الخيام المخصص لسكن موظفي جمرك الدمام البرِّي، فكفيت أجرة البرستج، لكن انضافت الأجرة اليومية لمقاولة سيارة الخشب لصاحبها الطيب الحاج جعفر أبو عزيز (رحمه الله) مع حمل (السفر طاس) لوجبة الغداء.

استمرت مدة عملي في ذلك الحي من سنة1371هـ، 1951م،إلى سنة 1373هـ، 1953م، وفي تلك السنة أضرب عمال شركة أرامكو في كل مرافقها، وحركة الإضراب تلك لم تمتد إلى مرافق السكة الحديد، لكنها تسببت في توقف سيارات الأجرة العاملة بين القطيف والدمام، وبعد انتهاء الإضراب ذهبت إلى مقر عملي، إلا أنني داخلني شعور ثقيل الوطأة بالوحشة والملل، فدفعت إلى مسجِّل الوقت (Time keeper) بذلك اللوح الخشبي المسمى (نُمْرَة)([12])، ولم يطل بي زمن التسكع بين الصنادق والأكواخ المشادة مكاتبَ للمقاولين في الظهران ومطار الظهران لأكثر من سنتين تخللها يسيرٌ من الشهور عملت فيها رئيس كُتَّاب لدى أحد جزَّافي السمك في القطيف([13])، إلى أن قيَّض الله لي عمل مفتش نظافة (Sanitary inspector) في مبنى الإدارة العامة لشركة الزيت العربية السعودية (أرامكو)، المشهور – آنذاك – بـ (البنك)، وبراتب سمين قدره وعده أربعة ريالات وربع الريال، أي بزيادة ربع ريال عما كنت أتقاضاه في الأعمال السابقة، ووعد بزيادة ربع ريال آخر إذا أثبتُّ جدارة منقطعة النظير، في كسر ظهور التنادلة([14]) والعمال المقصرين في واجباتهم.

حتى هذا العام (1376هـ، 1956م) وما أزال خارج دائرة الثقافة، فما قرأت من الكتب إلا القرآنَ الكريم، وما حفظت من الشعر إلا بضعة قصائد في رثاء آل البيت النبوي (رضوان الله عليهم)، ومديحهم، فأبي (رحمه الله) لم يمنعني من دخول المدرسة إلا لأنه يعدَّني للخطابة المنبرية، وخارج هذه الدائرة لم أقرأ إلا قصص تودُّد الجارية، والميَّاسة والمقداد، وعنتر وعبلة، ومجنون ليلى، وتغريبة بني هلال، إلخ. تلك القصص التي كنت أشتريها من بسطات([15]) (سعودي كم Saudi camp)) في الظهران، أيام كنت أتردد على مستشفى أرامكو مستشفيًا من الرمد والتراخوما، تلك كانت حصيلتي العلمية والثقافية، ولا شيء غيرها.

في سنة 1374هـ، 1954م. زهِدَتْ فيَّ بلدتي الصغيرة؛ إذ لم يعد (العـﮕـد([16])) المتداعي في بيتنا قادراً على ضمان نفسه من أن يسجد عليَّ ذات ليلة قارسة الصقيع، فلملت ما بحوزتي من أسمال ميمما بها تلقاء بيت عمي السيد علي (رحمه الله) في القلعة، وإذ ذاك كانت هي حاضرة القطيف، موئل علماء الدين، ومراجع التقليد، والفضلاء والحوزات العلمية، والأدباء والشعراء، ومثلنا الشعبي يقول: (السمـﭽـة ما تسبح إلا في بحرها)، فلم أجد ذلك البحر الصالح للعوم فيه، إلا بيت الشيخ منصور البيات زوج عمتي (رحمها الله)، وبمضي الوقت امتلكت الجرأة على التسلل إلى مجلس جيراننا آل الفارس، فوجدتهم كما قال ابن اللبانة الداني:

فتية للعُلى نمتها المعالي

والمعالي قليلةُ الأولاد

وكان فيهم من هو على صلة بزوج عمتي الشيخ منصور، وهو الحاج سليمان بن حسن([17]) الفارس، وسرعان ما نما إلى علمي أن له عُلقة نسب بوالدي، وشيئًا فشيئًا ألفت العوم في ذلك البحر الجديد.

كان من مهام عملي في الظهران، في المدة التي عملت فيها مفتش نظافة؛ الإشرافُ على نظافة مقر إدارة صحف أرامكو: قافلة الزيت، والشمس واللهب (Sun And flare)، والأيام الجميلة (Pleasant days) وعالم أرامكو (Aramco world) وغيرها، وكان يرد عليه كثير من الصحف العربية والأجنبية فصرت أتخير الجديد من المجلات والجرائد العربية، بقدر ما أستطيع حمله، وآخذه – في عطلة نهاية الأسبوع – إلى مجلس آل الفارس، لأنني كنت أراهم يشترون الصحف ويقرؤونها وحسب.

استمر عملي في الظهران إلى سنة 1956م، 1376هـ، وفي أحد أيامها عرض علي الحاج سليمان العمل معه بإدارة الزكاة، فكانت فرصة لم تكن في الحسبان، وظيفة في الحكومة، ستريحني من أجور السيارات والاستيقاظ قبل الفجر، و التسكع لدى مكاتب المقاولين، ومَثلُنا القطيفي يقول: (ويش لك بالبحر وأهواله ورزﮒ الله على السيف؟).

في اليوم التاسع من شهر ربيع الثاني عام 1376هـ، صدر قرار مدير مالية المنطقة الشرقية بتعييني بوظيفة عامل مستودع في إدارة الزكاة براتب 150 ريالا نقدًا، أعطى بدلها ما يعادلها بالجنيه السعودي أحيانًا، والأهم من هذا كله حالة الاستقرار المادي والطمأنينة النفسية، بصحبة صفوة نبلاء من آل الفارس، هم؛ سليمان، وابنا عمه صالح ابن الحاج محمد صالح (رحمهما الله)، وكمال حفظه الله وأطال عمره.

في هذه الإدارة وجدت الأستاذين صالح وأخاه كمالاً ترافقهما كتب حديثة لم تقع لي عين عليها من قبل، والمثل يقول: (من جالس آنس)، و: (ومن عاشر الحرَّ الظريف تظرَّفا). وحكمة أخي شنٍّ بن أفصى؛ يزيد ابن الخذَّاق:

وَلَقَد أَضاءَ لَكَ الطَريقُ وَأَنهَجَت

سُبُلُ المَسالِكِ وَالهُدى يُعدي

وبشار بن برد يقول:

لَمَستُ بِكَفّي كَفَّهُ أَبتَغي الغِنا

وَلَم أَدرِ أَنَ الجودَ مِن كَفِّهِ يُعدي

فأصبت منها بعدوى القراءة، وشرعت في شراء الكتب، ولاسيما أن الميزانية – الآن – أصبحت تحتمل أن يُقتطع منها قسطٌ، ولو ضئيل، فاحتل (روازن)([18]) غرفتي الصغيرة حياة محمد، لمحمد حسين هيكل، الأيام، دعاء الكروان لطه حسين، ثلاثية نجيب محفوظ، قصص كرم ملحم كرم: (الضفاف الحمر)، (صقر قريش)، (قطاف العناقيد)، (دمعة يزيد)، وغيرها إلى جنب قصص عبد الحليم عبد الله: (لقيطة ليلة غرام)، (بعد الغروب)، (شجرة اللبلاب)، (غصن الزيتون)، (النافذة الغربية)، ناهيك عن كتب التاريخ، والشعر.

قلت إن المرتبة التي شغلتها في إدارة الزكاة (عامل مستودع)، لكن العمل الفعلي هو كتابة (مذكرات استلام الأعيان)، ومعلوم أن هذه الإدارة تختص باستلام تمور الزكاة، و(صُبَر)([19]) نخيل أملاك الدولة، ومعلوم أيضًا، أن ثمار النخيل لها موسم واحد في العام، وهو فصل الخريف؛ لذلك يقل العمل في بقية أشهر السنة، وتصبح الفرصة سانحة للقراءة، وبسبب شغفي القديم بالقراءة ألفت الكتاب الحديث فلزمته من تلابيبه؛ وبالتدريج وجدتُني مقحمًا – دون أن أدري – في ما يسمى عالم الثقافة، والالتحاق بركب الكتاب، فكانت أولى المغامرات، وأولى رشحات الزهو والانتفاش يوم نشرت لي أول تجربة في جريدة أخبار الظهران في الفترة التي كان يرأس تحريرها الأستاذ عبد العزيز الحمد العيسى (رحمه الله)، كان المقال حول مستشفى القطيف، وكان عنيفًا، تطغى عليه حماسة الشباب، حتى إنه استدعى أن يشخص مدير عام وزارة الصحة – آن ذاك – الدكتور.يوسف بن عبد الله الحميدان إلى القطيف للوقوف على الحقيقة، وبعد عودته للرياض كتب مقالا رد عليه فيه، وفند ما قلته، وفي العدد التالي رددت عليه بتوقيع حسن مهدي عبد الرحيم، وهو مستعار، وفي العدد ذاته نشرت الجريدة عدة مقالات تجاوبًا معي أذكر منها مقالاً بعنوان: (لنا كلمة يا سيادة المدير) بقلم السيد حسن السيد باقر العوامي (رحمه الله)، وعلقت في إحدى الزوايا: (مستشفى معروف لاكت سمعته الأقلام هذا الأسبوع)، وفي زاوية أخرى كتبت: (وصلتنا مقالات عدة حول مستشفى القطيف، وقد نشرنا ما فيه الكفاية، وأحيط المسؤولون علمًا بما آل إليه المستشفى، ونعتذر للسادة الكتاب عن إغلاق الموضوع). في هذه الأثناء اشتركت في نادي التآلف الرياضي، وكان – في بعض المناسبات – يقيم احتفالات تتخللها مسرحيات، فكنت أعدُّ نصوصها، وأشارك في تمثيلها أحيانًا، أختم هذه الفقرة بالتنويه بصاحبي الفضل الأول في فتح باب الثقافة أمامي، وهما الأخوان الكريمان صالح بن محمد الفارس، وأحوه كمال. تغمد الله الأول بواسع رحمته ورضوانه، وأسكنه فسيح جنانه، وأطال عمر الثاني، في يمن ويسر وعافية:

فما يذكر المعروف إلا أخو وفًا

ولا ينكر النعماء إلا كفورها

عبدالوهاب المجمر مع أطفاله قبل الحريق

الحُجرة الجامعة

في هذه الأجواء ساقتني الصدفة المحض إلى معرفة عبد الوهاب (رحمه الله)، فعرفت بسببه ثُلَّة أخرى من الشباب المثقف، أتذكر منهم: جميل عبد الله الجشي، السيد باقر السيد حمزة العوامي، محمد سعيد الشيخ ميرزا حسين البريكي، حسين الشيخ فرج العمران، محمد رضي الشماسي، السيد مهدي ابن السيد محمد الصائغ، جعفر حسن السويكت (رحمه الله من مضى منهم وأطال عمر الباقين في يمن وعافية، فكما قال الشاعر:

وكنا في اجتماع كالثريَّا

فصرنا فرقة كبنات نعش

كان أولئك الإخوة طلبة مدارس، فتفرقوا في بلاد الله الواسعة، فالدكتور جميل غادر إلى لبنان، فنال منها الثانوية، ومن أمريكا أحرز البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في الهندسة الصناعية، وهندسة نظم الإدارة، وبحوث العمليات، إلى تخصص ثانوي في التنمية الاقتصادية، وشغل العديد من المناصب العالية منها المدير العام لمشروع الهيئة الملكية للجبيل وينبع، وسفير المملكة في إيران([20])، والسيد باقر إلى ألمانيا، فتخرج استشاريًّا في مرض فقر الدم المنجلي لدى الأطفال، والبريكي تخرج من معهد ستانفورد للبحوث بأمريكا في الأحياء الطبية, والكيمياء, والإدارة التربوية، وإدارة البحث العلمي، وعمل عضواً في هيئة التدريس بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن, وبمعهد البحوث التابع لها, ثم انتقل للعمل في الهيئة الملكية للجبيل وينبع، ينظم الشعر باللغتين العربية والإنجليزية. أما العمران فوجهته النجف، فعاد منها عالم دين، والشماسي جرَّب حظه في سوريا، لكنه تراجع والتحق بكلية الفقه في النجف الأشرف، فتخرج منها بشهادة البكالوريوس، ثم الماجستير من جامعة إنديانا بأمريكا، وعمل محاضرًا بقسم الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، ومنعت الظروف العصيبة عبد الوهاب من أن يتزحزح عن الابتدائية، والصائغ، بعد إكماله الصف الثاني وبعضًا من الثالث من المرحلة الثانوية اشتغل مع والده يصوغ الذهب والعقيان، والسويكت أكمل بالمعهد الصحي مراقبًا صحيًّا، ولم يبقَ، من رادة تلك الجامعة، وفيًّا لأمِّيَته سوى الفقير لله، كاتب هذه السطور. تغمد الله الماضين منهم بواسع رحمته ورضوانه، وأطال عمر الباقين.

محمد رضي الشماسي

عزيزي المتابع، ألتمس منك العذر عما قد أكون سببته لك من ارتباك قد يشوش فهم المقصود من تلك الحجرة الجامعة، فكان عليَّ أن أبين لك إنها حجرة صديقنا عبد الوهاب ومكتبته، فيها فراش نومه، ومخزن ملابسه، ومكتبه، ومكتبته، وهي مجلسه، ومنتدانا؛ نحن أصدقاءه الخلَّص، وهي واحدة من ثلاث غرف مساحة كل منها: 5، 2 × 3م= 5، 7 متر، يضاف إليها البهو والمطبخ ودورة الماء. وسلم يفضي إلى السطح.

وصف الأستاذ الشاعر محمد رضي الشماسي (رحمه الله) تلك الجامعة في تقديمه لديوان عبد الوهاب الموسوم بـ (بقايا الرماد) بما نصه: (انتُزع عنوان هذا الديوان (بقايا الرماد) من الحدث الرهيب، الذي أودى بصاحبه الشاعر عبد الوهاب حسن المهدي مع زوجته وأطفاله الأربعة، حيث أحاطت بهم النار من جميع جهات بيتهم المُقْوِي، والتهمتهم أيَّما التهام، في فجر الثلاثاء السابع من شهر صفر عام 1406 للهجرة، ذلك البيت الذي كنَّا – نحن أصدقاءَ الشاعر – نعتدُّه منتدىً أدبيًّا يشبه الصالونات الأدبية المعروفة في القاهرة، مثلًا، أو بيروت، يلتقي فيه هؤلاء، وكلُّهم – آنذاك -أصحابُ مواهبَ شابَّة، فمنهم من يهذي بالشعر، ومنهم من يعالج النثر، ومنهم من يحاول فيهما معًا، ومنهم من يُعنى بالقراءة والثقافة العامة)([21]).

في هذه الحجرة دفتر تجاري متوسط الحجم، اتخذه طلبة الجامعة مجلة شهرية يكتبون فيه ما ينشئون من شعر ونثر، ويدونها أخوه جاسم بخطه الجميل، وما هي إلا أيام من ترددي على ذلك البيت المُقْوي حسب نعت الشماسي إذا بي أحس برغبة ملحة في مجاراته في الشعر، ولم يخطر ببالي القول المنسوب للحطيئة:

الشِعرُ صَعبٌ وَطَويلٌ سُلَّمُه

إِذا اِرتَقى فيهِ الَّذي لا يَعلَمُه

زَلَّت بِهِ إِلى الحَضيضِ قَدَمُه

يُريدُ أَن يُعرِبَهُ فَيُعجِمُه

 (ﮔـوم بِلْ ليها ظْرُوف) هذا المثل يضرب في القطيف لمن يطلب شيئًا لا يملك مؤهِّلاته، وهو عليَّ أصدق. فيوم سلمت عبد الوهاب أول قصيدة، لم أجد لي فمًا أفغره اندهاشًا حين أعادها علي مشطوبة كلَّها، ومختومة بعبارة واحدة هي: (تحتاج تتعلم النحو). عجيب!

إلى اللقاء.

—————————-

([1])المكوس: الضريبة الجمركية.

([2])ابن القاسم بن منصور الجذامي. شاعر، من أهل الإسكندرية، كان حداداً. له ديوان مطبوع، توفي سنة 529 هـ، 1134 م.

([3])ابن عبد العتيق العبدي، شاعر جاهلي، معاصرٌ لعمرو بن هند.

([4]) السلوق: بُسْرٌ يؤخذ من ثمر ضرب من النخيل يسمى الخنيزي، وينقَّى من الرطب، ثم يسلق وينشر في الشمس، وبعد أن يجف يعبَّأ في الأخياش (جمع خيشة: أكياس من الجُوت: القُنَّب).

([5])شاعرة جاهلية جمل السلمية من هزلى في بني عامر، لها شعر في ذهاب بني الفزر بصيتها، وإبلها، لم أقف على ضبط اسمها.

([6])كان مولدي ليلة 13 جمادى الثانية 1357هـ9 أغسطس 1938م.

([7])الحضيرة، بالضاد، أخت الصاد: جماعة القوم، والحظيرة، بالظاء المشالة، أخت الطاء: ما يعمل للماشية ليقيها الحر والبر. محيط المحيط.

([8])خطيب، حسن الخط، أصله من بلدة الجارودية، سكن بلدة باب الشمال، ثم بلدة الجراري، وبها توفي.

([9]) الكراني: مصطلح محلي يعني: الكاتب المستأجر في دكان ونحوه، وأحسب أن أصلها قرآني، لأن تحصيله لم يتعد تلاوة القرآن الكريم .

([10])العنة، في الأصل: الحظيرة، والتي رأيتها في الحي السعودي، عشة من سعف مملسة بالجبس من الداخل.

([11])السفر طاس، مجموعة من الطوس، 3، أو 4، أو تثبت فوق بعضها البعض بحامل، يوضع في كل طاسة منها صنف من الطعام، وزكل واحدة تقوم مقام الغطاء للتي تحتها، والفوقية منها لها غطاؤها الخاص بها.

([12])األنُّمْرةُ: أعداد يرقمها التجار على بضائعهم. وفي زمننا: رقم يكتب في بطاقة يعرف بها العامل أو الموظف، ولونها يشير إلى رتبة حاملها .

([13])الجزَّاف، في الاصطلاح المحلي: دلاَّل السمك، ولعلها من المجازفة؛ لأنه يقوم بتزويد سفن الصيد بما تحتاج من الثلج والطعوم، والمواد الغذائية، إلخ.

([14])جمع تنديل: في الخليج يعني: رئيس العمال.

([15])البسطات، جمع بسطة: دكاكين مؤقتة تعرض فيها السلع مفروشة على الأرض، أو على طاولت خشبية.

([16])العقد، في اصطلاح البنائين: من الحجارة المعقودة بعضها فوق بعض، وعند أهل القطيف: الرواق، وهو السقف في مقدمة الغرف، يسمى الصالة في هذا الزمن.

([17])أحد الشخصيات المرموقة في القطيف، ينتمي إلى أسرة آل الفارس الكريمة، مدير دائرة الزكاة، سمعت من أبي (رحمه الله) أنَّ أباه حسنًا (رحمه الله) كان من المعروفين بخدامتهم الجليلة، ففي سنة من السنين رُدمت بعض العيون البرية بسبب زحف المال عليها، فاستنهض الناس لنزح الرمال عنها، وبناء حوائط حولها تقيها من الرمال، واستنادًا إلى شكوى تقدم بها الوجيه الوطني علي بن حسن أبو السعود إلى وزير المالية الشيخ عبد الله بن سليمان الحمدان، يفهم منها أنه في سنة 1352هـ، داهمت الرمال عيون بلدة الجش، فقام شخص، لم يذكر اسمه، باستغلال جهل الناس بكيفية رفع الرمال عنها، فاتفق مع مُلاَّك النخيل على استخراج العيون المردومة لقاء تملُّكه نصفَ النخيل. انظر: علي بن حسن أبو السعود مراسلاته ووثائقه، أعده وراجعه وعلق عليه عدنان السيد محمد العوامي، معد للطبع، ص: 75، و93 – 95، و363.

([18])جمع روزنة: معرب رَوْزن الفارسية بمعنى كوة، وفي القطيف تعني تجويف في الجدار توضع فيه الأشياء .

([19])جمع صُّبْرة، لغةًَ: ما جُمع من الطعام بلا كيل ولا وزن، وأيضًا: الطعام المنخول، أي المنقَّى، وفي اصطلاح الفلاحة: حصة مالك النخل من غَلَّته.

([20])تراث الأجداد، د. جميل عبد الله الجشي، الدار السعودية للنشر والتوزيع، الخبر، الطبعة الأولى، 1428هـ، 2007م، ص: 546.

([21])طبع على نفقة السيد إبراهيم المشقاب، مطابع الرضا، الدمام، الطبعة الأولى، 1414هـ 1994م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

8 + ستة =

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com