الإمام الصادق.. ورفض التغيير بالعنف

حبيب محمود

مثلما رفض تحمّل مسؤولية الدماء التي أراقها العبّاسيون أثناء إسقاط الأمويين؛ تحفظ الإمام الصادق ـ بوضوح ـ على استعمال العنف وسيلةً للتغيير. وينسب إليه بعض أتباعه امتثاله لمبدأ “التقيّة” التي تعني المداراة. وقد يبدو ذلك معقولاً حين سيطر بنو العبّاس على مفاصل الدولة، وبدأوا يضايقون أبناء عمهم العلويين. ويبدو معقولاً، أيضاً، قبل سقوط الدولة الأموية وظلِّها الذي تأذّى منه بنو هاشم، والعلويون ضمنهم.

لكنّ هناك مفصلاً تاريخياً لم يحتج فيه الإمام الصادق إلى تقية، على الأقل من المنظور الأمني والعسكري. سقط حكم الأمويين، وانتصر شعار “يا لثارات الحسين”، وجيءَ بالحكم إليه منقاداً على يدي اثنين من أهمّ القيادات العسكرية في الثورة التي لم تتولّد عنها دولةٌ بعد، ولم يُعرَف لها اسم. وفوق ذلك؛ تحفظ جعفر بن محمد، وحسم الأمر لصالح رفضه النتيجة..!

“لا أنت من رجالي، ولا الزمان زماني”.. هذا ما ردّ به الصادق على أبي مسلم الخراساني. “لا أنت من رجالي”، تضارع “لا أثق فيك”، “لستَ مؤهلاً”، “لم ترقَ إلى معياري”، وهلمّ موازنة وقياساً. وفي المحصّلة؛ لم يكن هذا التقرير “لا أنت من رجالي”، شخصياً أراد منه الإمام وضع مقارنة بين “شخصه” و “شخص” أبي مسلم الخراساني.

ولم يكن تقريراً سياسياً، على أساس أن الإمام وأبا مسلم في خندق واحد ضدّ عدو مشترك.. بني أمية.

المبدأ، في التقرير، هو فحص الوسيلة التي أوصلت أبا مسلم الخراساني وحفص بن سليمان وغيرهما من العسكريين إلى الهيمنة على الأمور، والقضاء على رموز الدولة الأموية، والإمساك بزمام الأمور. إنه نصر بمقاييس العسكريين والساسة. نصرٌ ميدانيٌّ صريح.

لكنّ جعفر بن محمد ليس عسكرياً، ولا سياسياً. إن لديه معياراً مختلفاً جداً عن معايير المُغيّرين على الطريقة التي شاهدها. نحن نسمّي بعض التغيرات “ثورات”، وبعضها “انقلابات”. وتحول المسلمين من حكم الأمويين إلى حكم العباسيين؛ حدث عبر “ثورة” مسلحة. هذا ـ بالضبط ـ ما كان يفحصه جعفر بن محمد الصادق في “الرجال” وفي “الزمان”.

ثورة فيها من الجموح ما غيّر الأمورَ بالسيف، بالعنف، بالقتل. فهل توقف السيف عند المنعوتين بـ “الظلَمة” فحسب..؟ أم امتدّ الحدُّ إلى رقاب مدنيين وأبرياء ومغلوبٍ على أمرهم..؟

لم يسجّل التاريخُ ثورةً نظيفة. ولم يسجّل ثورةً انتقلت إلى دولةٍ دون وضع قائمة من الثوار أنفسهم ضمن الضحايا. ذلك حدث ـ فعلاً ـ مع أبي مسلم الخراساني ذاته، فقد أجهز عليه الخليفة أبو جعفر المنصور، في مرحلة ما بعد الثورة.

وبعيداً عن الغيبيات وتفسير السابق باللاحق؛ كان موقف الإمام مبدئياً في وصف الخراساني بـ “لا أنت من رجالي”. كان الصادق يفحص “الوسيلة”، قبل “النتيجة”. الوسيلة هي الثورة التي فعلت ما فعلت. وجعفر بن محمد ليس مستعدّاً للتوقيع على شرعية ما حدث.

زر الذهاب إلى الأعلى

لإعلانك هنا ـ مربع

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com