الإمام الصادق.. ورفض الإسلام السياسي

حبيب محمود

بإمكاننا أن نستحضر التاريخ، لنُسقطه على الحاضر. كما بإمكاننا إسقاط الحاضر على التاريخ. وكلتا الحالتين تقودنا إلى ما لا منطقَ فيه. للتاريخ منطقه، وللواقع منطقٌ آخر. ولا وجاهة في وضع المنطقين على مسطرةٍ واحدة. وفي درس حياة الإمام الصادق ومشروعه، عليه السلام، ما يُضيءُ الكثير من مناطق العُتمة الملتبسة بمنطق الواقع، ومنطق التاريخ، في آنِ معاً.

عاش الإمام في مرحلة زمنية متقلقلة بأحداثٍ كبيرة. كان شاهداً على سقوط دولة وقيام أخرى. وعاصر خمسة خلفاء أمويين، وخليفتين عباسيين. وفي نقطة الانتقالة الحرجة بين الدولتين؛ وصلت إلى يده نُهزةٌ سهلةٌ، بعرض الخلافة عليه من بعض قُوّاد بني العباس، بوصفه الامتداد الطبيعي لآل البيتِ الذين حُمِل اسمهم في لافتات الحركة العبّاسية ضدّ الأمويين. وصلت إليه رسالتان من أبي مسلم الخراساني وأبي سلمة حفص بن سليمان..!

الأول بعث إليه كتاباً قال فيه “إني قد أظهرت الكلمة ودعوت الناس عن موالاة بني أمية الى موالاة أهل البيت، فإن رغبت فيها فلا مزيد عليك”. فكتب إليه الصادق “ما أنت من رجالي ولا الزمان زماني”. أما الثاني فقد أحرق الصادق كتابه ولم يلتفت إليه.

ببساطة وصراحة؛ رفض الصادق التعامل مع المتغيّر الجديد من زاوية تحمّل مسؤولية ما حدث في المرحلة الانتقالية بين سقوط الأمويين وانتصار العباسيين.

تجاهل الرجلُ الأمر، وعاد إلى مسجده يعلّم الناس.

المتشرّعون يهمّهم تفسير موقف الإمام بما يُعرف بـ “التكليف الشرعي”، أي أن الإمام كان يتصرّف على أساس رؤيته الشرعية، ومن ثم صدر موقفه المترجم عملياً برفض عرض تسلّم الحكم. يبدو التفسير الشرعي معقولاً. لكنَّ التفسير الأخلاقيّ لا يقلُّ أهميةً في محاولة فهم الموضوع.

من الناحية التاريخية؛ كان ما عُرض على الإمام الصادق؛ أثمن عرضٍ تلقّاه بنو هاشم في تاريخهم، بعد العرض الذي تلقّاه جدهم، عليّ بن أبي طالب، على إثر مقتل الخليفة عثمان. لكن جعفر الصادق؛ رجل أخلاقٍ، لا تعنيه رياسة، ولا يشغل باله نفوذ، ولا يحملُ طموح ساسة.

ثمة ثورة، وعنف، وقتل، ودماء، وتبعاتٌ كثيرة صاحبت الحركة العباسية في مواجهة الأمويين. وتسلّم الصادق زمام الأمور، بعد كلّ ذلك، قد يُعطي مصادقةً شرعيةً على كلّ ما جرى. لكن جعفر الصادق ليس رجل سياسةٍ يضع توقيعه على الواقع، وينتهزُ منه ما يمكن انتهازه..!

تجربة علي بن أبي طالب لها منطقها بعد مقتل عثمان، والعمل بموجبها بعد سقوط الأمويين فيه من الإشكاليات ما يصعب تمريره. تزاحم الناس على علي بن أبي طالب مُلحّين عليه تسلُّم الأمر، “حتى لقد وُطيء الحسنان”، كما جاء في خطبته. ونزل الإمام علي عند رغبة الناس، إنقاذاً للموقف، وملأً لفراغٍ سياسي خطير.

أما الصادق؛ فقد جاءته الفرصة عن طريق عسكريين أنجزوا مهمّاتهم في السيطرة على الأمور في العراق وخراسان. وهما أهمُّ مفاصل الحكم وقتها.

كلُّ شيءٍ جاهزٌ، والمطلوب هو قبول العرض.

جعفر بن محمد الصادق؛ ليس من هؤلاء القوم، ليس من أتباع الإسلام السياسيّ، كما نقول اليوم. كرّس حياته لمشروع معرفيّ أخلاقي امتدّ قروناً طويلة، ولم يلوّث ذمته بملء محجمةٍ دماً.

زر الذهاب إلى الأعلى

لإعلانك هنا ـ مربع

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com