[قُم للمعلم] القناص هرب من الجارودية بسبب «كلمة».. والخالدي تنازل لصفوان عن «البشت» والإدارة قصة التعليم في خمسينيات القرن الماضي.. وتفاصيل الجيل المكافح

صفوى: أمل سعيد

أحمد مبارك الخالدي، وسليمان محمد القناص.. فارسان من الجيل الأول في التعليم في أم الساهك، البلدة الواقعة شمال غرب محافظة القطيف. وتستعرض «صُبرة» سيرتهما عن لسان من عرفهما عن قرب، منذ بداية دخولهم الفصول معلّمين.

ففي البدايات؛ تدفقت أعداد كبيرة من الشبان السعوديين نحو مهنة التعليم، مستفيدين من برنامج نفذته وزارة المعارف ـ كما كان اسمها وقتها ـ بإلحاق خريجي الابتدائية بمعاهد إعداد معلمين متوسطة لإعداد أجيال جديدة.

أحمد مبارك عبدالله مصطفى الخالدي

تخرج من الابتدائية وعُين مدرساً، وأكمل دراسته في مركز الدراسات التكميلية بالرياض لمدة 3 سنوات. كانت وظيفته الأولى في رفحا، عام 1379هـ.

يقول أخوه إبراهيم مبارك الخالدي «كان أخي من الجيل الأول الذي امتهن التعليم هنا، وزامله كل من عبدالله الدحيم وسليمان الداوود، تعين في رفحا وبقي فيها 4 سنوات، ثم انتقل إلى صفوى التي أحبها وأحبته».

بقي طوال سنوات خدمته، يُنقل أو يُبتعث، ويعود إلى مدرسة اليرموك، وقد غادرها – بحسب إبراهيم الخالدي – 3 مرات ورجع إليها، المرة الأولى في فترة دراسته في الرياض، والثانية ذهب فيها إلى رحيمة مدرساً، وعاد إلى اليرموك، والثالثة حين اُبتعث إلى سلطنة عُمان، إلى أن غادرها يوم تقاعده.

ابتدأ الخالدي مدرساً في اليرموك، وما لبث أن أصبح مديراً لها.

من جهة أخرى؛ يقول سلمان القناص زميل المرحوم «عملت مع أحمد الخالدي 9 سنوات في مدرسة اليرموك، وكان يديرهاة في الفترتين؛ الصباحية والمسائية. إلى أن اُبتعث الخالدي إلى عُمان ليعمل مدرساً فيها، رُشحت بعده بسنة للتدريس هناك، وتزاملنا في السلطنة أيضاً، وبقي هناك لمدة 4 سنوات، عاد بعدها إلى اليرموك».

يضيف القناص «كانت علاقته طيبة بزملائه المعلمين، كما كان حريصاً على الطلاب ومتعاوناً معهم، أذكر أنه كان يساعد الطلاب الذين يتقنون أغلب المواد الدراسية، لكنهم يخفقون في مادة واحدةة، ويحتاجون إلى درجات قليلة، يتساهل معهم ويعطيهم تلك الدرجات، كي يجتازوا الفصل الذي هم فيه».

صفوان ببشت المدير

يستحضر القناص، موقفاً حدث للخالدي مع فراش مدرسة اليرموك، يرسم من خلاله أخلاقياته وأسلوبه في التعاطي مع موظفيه «كانت من عادة المرحوم الخالدي أن يترك بشتاً داخل المكتب، يستخدمه في احتفالات المدرسة، وزيارات المسؤولين المفاجأة، وذات يوم كان الخالدي خارج المدرسة في عمل ما، فدخل صفوان عامل المدرسة إلى مكتب المدير، ولبس البشت وجلس على مكتبه، وصادف أن زارت المدرسة في تلك اللحظة مجموعة من الموجهين، وحين دخولهم مكتب المدير وجدوا صفواناً جالساً على مكتبه، سألوه عن المدير فقال: خرج في مهمة ولن يعود قبل نصف ساعة، سألوه عن صفته، فأجاب بأنه وكيل المدرسة، وعاش صفوان دور الوكيل مرحباً بضيوفة ومُكْرماً إياهم، إلى أن وصل المدير، فتفاجأ بصفوان لابساً بشته، لكنه بعد أن استوضح الأمر؛ أكمل مع صفوان ما بدأه، فلم يوبخه ولم يكذبه، حتى خرج الموجهون من المدرسة».

مع الطلاب

أما مواقفه «النبيلة مع الطلاب وأولياء أمورهم فكثيرة، منها أن أحد أولياء الأمور جاء إلى المدير، شاكياً ابنه العاق، كثير المشاكل، فطلب منه الخالدي أن يذهب لغرفة مجاورة ويجلس فيها، إلى أن يُسوي الأمر، واستدعى الطالب، واستدعى عدداً من المعلمين، بينهم أنا والمدرس سليمان الداوود، وقال لنا: اسمعوا الكلام واحكموا على هذا الولد، ثم قال له: جاءتني شكوى عليك، وأنت مسيء، فهل تريد مني «أجحشك» أمام جميع الطلاب على الإساءة التي فعلتها؟ سكت الطالب، وسألنا: ما رأيكما فيما سمعتما؟ فقلت: فمن عفا وأصلح؛ فأجره على الله، فقال للطالب: عفينا عنك، لكن لا تجيني بكرة شكوى عليك، فسأله الطالب: من المشتكي؟ أجابه: أبوك، وقال له: تعاهدني ألا تعص أباك ولا تسيء إليه؟ قال: أعاهدك. انتهى الموقف عند هذا الحد، لكن المرحوم الخالدي لم يكتف بذلك؛ بل تابع الحالة، وتأكد أن الولد تحسنت أحواله مع والده، وأنه فعلاً التزم ما عاهده عليه».

توفي الخالدي رحمه الله قبل 3 سنوات، في 18 شعبان 1439هـ.

سليمان بن محمد القناص

ولد القناص سنة 1368هـ، درس المرحلة الابتدائية في أم الساهك، والتحق في معهد إعداد المعلمين بالدمام 1384هـ، وتخرج منها عام 1387هـ.

يقول «عُينت فور تخرجي من معهد المعلمين، وكيلاً في مدرسة بالجارودية، وكان ذلك في 26-6-1387هـ، ولم أكمل حينها الـ16 من عمري، وبمقاييس اليوم كنت ما أزال صغيراً».

سليمان القناص وسط زملائه من المعلمين في الجارودية

معلم في اليوم الأول

«في اليوم الأول لي في مدرسة الجارودية؛ وقبل أن أنزل من السيارة، فوجئت أن المدرسة بلا سور، غرف بجوار بعضها، وممر بين الغرف، ورأيت المعلمين جالسين على كراسي في الممر الضيق وأرجلهم مرفوعة على الحائط أمامهم. كل ذلك وأنا مازلت في سيارة الأجرة (التاكسي) التي أوصلتني، وخجلت أن يشاهدونني وأنا أنزل من التاكسي، فقلت للسائق: «دور دور وأرجعني إلى أم الساهك».

يكمل القناص «في اليوم التالي؛ حملت البشت على يدي، وركبت «التاكسي»، ووصلت متأخراً قليلاً، كي لا يراني أحد. ولكن كان الحال نفس الحال؛ المعلمون كحالهم أمس، لم يتغير، وما إن نزلت من السيارة ورآني المعلمون، حتى اختفوا عن ناظري، وعلمت فيما بعد أن البشت كان السبب».

دخلت على المدير خليل الدحيم، من دارين، وكان يعرفني، فقال لي: من اليوم ستستلم مهام الإدارة، لكنني رفضت، لأني شعرت أن الحمل ثقيل، وكان قد وصل في نفس الوقت المعلم عطية الزهراني، فأشرت عليه أن يعطي الزهراني الإدارة، وأنا أصبح الوكيل، إضافة إلى تدريس اللغة العربية للفصول العليا (رابع، خامس، سادس)، فوافق، ثم أخذني في جولة على الفصول».

مأزق اختلاف اللهجات

كان من أشد المواقف التي تعرض لها سليمان القناص، إحراجاً في بداية التحاقه بالمدرسة، موقفاً مرتبطاً باختلاف اللهجات، وما يصح هنا ولا يصح هناك، لاختلاف المعنى. يقول القناص «في يوم من الأيام قلت لطالب في صفي جملة عادية جداً، ومحترمة جداً، لكنها في لهجة أهل الجارودية تدخل ضمن «حدود العيب». وفي اليوم الثاني؛ ما إن وصلت المدرسة؛ حتى قال لي الحارس: أستاذ سليمان «فلّح» (أهرب)، لأن أبو الولد وخاله وأخوته كلهم أتوا ليضربوك «دست»، بسبب الكلمة التي قلتها لابنهم، وما أكمل الحارس كلامه؛ حتى ركبت دراجتي، وسلكت طريقاً لا يرونني منه، ورجعت لأم الساهك. وفي الليل تواصلت مع أحد أقاربي (محمد المشعل)، من سكان الجارودية، وأخبرته بما حدث، فأخذني لعمدة الجارودية، وذهبنا إلى بيت الولد، وجلسنا معهم، وأفهمناهم أنني ما قصدت السوء، وإنما اختلاف اللهجة هو ما وضعنا كلنا في هذا الموقف».

يتابع القناص، سرد ذكرياته «كانت مدرسة الجارودية – في ذلك الوقت – تضم طلاب الجارودية، الخويلدية وحلة محيش، وفي السنة الثانية من تعييني؛ تم فصل طلاب حلة محيش في مدرسة مُستقلة، وأصبحت أنا مديرها. وفي العام اللاحق أيضاً فصلوا طلاب الخويلدية عن طلاب الجارودية، ونقلوني من حلة محيش إلى الخويلدية، لأكون مديراً هناك، بقيت سنة، ثم قدمت على نقل، ونقلوني إلى مدرسة اليرموك في صفوى».

القناص في عُمان

عُين وكيلاً في مدرسة اليرموك بالفترة المسائية، لمدة 9 سنوات، إضافة إلى تدريس الطلاب، ثم نقل إلى مدرسة أم الساهك الابتدائية، لمدة سنتين، رُشح للابتعاث إلى سلطنة عُمان، كان ذلك عام 1401، وبقي هناك لمدة 4 سنوات، عاد بعدها إلى مدرسة أم الساهك.

سافر القناص، إلى الرياض، لإكمال دراسته في مركز الدراسات التكميلية، بعد 3 سنوات من عودته من عُمان. ورجع إلى مدرسة أم الساهك بعد أن أكمل دراسته، وبقي فيها حتى نهاية خدمته. إذ تقاعد عام 1421هـ، وخدم المجتمع لمدة تزيد على 34 سنة.

القناص ومعلمو مدرسة اليرموك

زملاء القناص

في رحلته الطويلة؛ زامل القناص الكثير من الزملاء، وبقيت في ذاكرته أسماء ووجوه، يتذكر منهم اليوم: المرحوم علي خميس، سعيد صادق، أحمد مبارك وسليمان الداوود في مدرسة صفوى، وعطية الزهراني في مدرسة الجارودية، وعبدالله الدحيم في مدرسة أم الساهك، ومسفر فرحان القحطاني، عبدالرحمن سعد وسالم الفارس في مدرسة حزم أم الساهك، «حيث دمجت مدرسة أم الساهك معها، لأن مدرستنا كانت آيلة إلى السقوط، وبقينا في ضيافتهم لمدة سنتين».

عدد القناص الكثير من الأسماء التي مرت في فضاء ذاكرته، مضيفاً كل اسم منهم إلى المدرسة التي زامله فيها.

طلاب لا ينساهم

أما عن الطلاب؛ فيقول القناص “تغيب من ذاكرتي أسماؤهم، السنوات ليست قليلة، وأعدادهم كبيرة جداً، لذا تزدحم الصور وتتوارى الأسماء، لكني أتذكر منهم: علي وحسن العصفور الذَيْن درستهم صغاراً، ومازالت علاقتي بهم حتى اليوم، وحبيب مرهون أيضاً، وحسين العوض وأخوه عباس، وسعيد الصادق، وبشكل عام كل طلابي من صفوى لك أن تقولي: والنعم بهم».

يذكر القناص، موقفاً حصل على الحدود السعودية – الكويتية «كنت بين حين وآخر أحمل الرطب والتمر من هنا، وأبيعه في الكويت وأجلب معي بضائع من هناك وأبيعها هنا. وذات مرة كنت أنا ومديري السابق محمد أحمد الحصحوص قادمين من الكويت ومحملين في سياراتنا، كالعادة، ومن شدة الزحام ركنا السيارتين هناك وعدنا، وفي اليوم التالي؛ ذهبنا للجمارك أنا والحصحوص، وقابلنا شاب ملتح، وطلب أوراقي، أعطيته إياها، وأجلسنا وأكرمنا بضيافته، وغاب عنا قليلاً ثم رجع وأوراقي خالصة ومختومة، شكرته على سعيه، فسألني: أستاذي.. ما عرفتني؟ أنا أحد طلابك من الجارودية، فقلت له: أتذكر كثير من الطلاب درستهم في الجارودية، وأخذت أعدد له أسماء بعض الطلبة، وحين وصلت اسمه، قال: أنا هو رضي حبيب، ثم خلّص أوراق المدير أيضاً، كان موقفاً لا أنساه له، بقدر ما يحمل من وفاء ونبل».

 

صعوبات لا تُذكر

كانت المواصلات هي العقبة الوحيدة التي واجهها القناص في بداية رحلته العملية، حيث لم تكن هناك سيارات تقله من أم لساهك إلى الجارودية «كنت أركب «التاكسي» من أم الساهك إلى القطيف، وتحديداً إلى مدرسة الفلاح، ومن هناك آخذ دراجتي الهوائية، التي أقفل عليها كل يوم بعد عودتي، ويستغرق طريقي من القطيف إلى مدرسة الجارودية ربع ساعة، وبصورة عكسية يكون خط عودتي إلى أم الساهك”، لكنه لا يرى في ذلك عقبة، بل يجد أن حياته العملية كانت «بلا صعوبات».

اجتماع أولياء الأمور

المعلم وأولياء الأمور

يتحسر القناص على التعليم، مبدياً استياءه من أوضاع المعلمين والطلاب في هذه الأيام «لم يعد التعليم كالسابق، ولا مكانة المعلم وهيبته كما كانت، كان الأب يمسك يد ولد ويسلمه للمعلم، ويقول له «عطيتك وياه لحم أبغاه عظم.. كناية عن أنك في مقام الوالد المربي، فلا تدخر وسعاً في تأديبه وتربيته. واليوم يخطئ الطالب في حق زملاءه، ويتجاوز إلى المعلم بقول وبفعل مرات، ولا يحق له أن ينهر الطالب، فضلاً عن أن يضربه، ويا ويله إن فعل؛ تقوم قيامته، ويتحسف على فعلته».

مهرجان الكشافة الرابع في القطيف عام 1415هـ

عمل القناص في فريق الكشافة، لمدة 10 سنين، 6 منها في اليرموك، و4 في أم الساهك، ووصل إلى مرحلة «قائد كشفي»، وهو أول من أسس فرقة كشفية في أم الساهك.

إضافة إلى كونه معلماً؛ اشتغل القناص في التجارة، فكان يشتري الثلج من صفوى، ويبيعه في أم الساهك. كما كان يبيع التمر في الكويت «كانت الحياة صعبة، والراتب 1700 ريال لم يكن يكفي، فكنت أبيع الثلج، كما كنت أبيع «البيبسي، وفي أيام الصيف والإجازة المدرسية؛ أحمل الرطب وأبيعه في الكويت، وقطر والرياض».

بكثير من العرفان والوفاء؛ يتذكر القناص مديره في الصف السادس الابتدائي، محمد أحمد الحصحوص، الذي بقي في التعليم لمدة 45 سنة «كان مديري وأنا أدرس الابتدائية، خرّج أجيالاً متعاقبة، وأنا أحد الطلاب الذين تخرجوا من مدرسته، ثم عملت معه. رجل في غاية الطيب، ورايته بيضاء، بذل جهداً كبيراً في تربية الطلاب في مدرسته، ولم تمنعه طيبته من أن يكون صارماً وحازماً في كل ما يخص مصلحة الطلاب، ولو تطلب الأمر مواجهة المسؤولين».

 

في عمان

في عمان

                                                            من اجتماع أولياء الأمور

                             معرض في مدرسة أم الساهك ويظهر في الصورة فراش المدرسة أحمد ماضي

                                                                  عرض مسرحي

من صفوف مدرسة أم الساهك

مشاركة الفرقة الشعبية من الطلاب عام 1415

صور من اجتماع أولياء الأمور في مدرسة أم الساهك الابتدائية

بعض الأنشطة أثناء بعثة القناص إلى عُمان

المعلم سعيد صادق

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com