نقد النقد على خطاب السيد منير الخباز

حسن هاني آل سيف

لقد شهد الموسم العاشورائي الأخير -ولله الحمد والمنّة- ضجّة معرفية عارمة، تجلّت في المحاضرات المتنوعة التي أثرت الساحة القطيفية بل والإقليمية ورفعت من مستوى الثقافة الدينية لديهم، وكم كان المنبر الحسيني سدًّا منيعًا يحول بين المجتمع الديني وبين الإشكالات المتوالية على الدين من جهاتٍ شتّى، فجمع المنبر في ذلك بين البعدين الأساسيين: بُعد إحياء الأمر بنشر علوم أهل البيت ودفع الإشكال عن الدين، وبُعد الدمعة والجزع والتفجع، ولا يخفي أنّ كلا البعدين محل تأكيد الروايات المعصومية.

وكما هي العادة فبعد ظهور البيان، و استقرار الكلام في الأذهان، يرفع الكاتب يده و يقطر بالمداد قلمه، لينقد الأفكار و يمحصها، و يقبل الأحسن منها و يرتبها، و قد صدق قول الفيلسوف القائل “غربلة الأفكار والرؤى لا تنافي مبدأ حرية الفكر، بل التفكير يعني قوة الغربلة وتمييزه الصحيح عن غيره، ومتى كان الإنسان فاقداً لقوة تمييزه الصحيح عن غيره، فقدَ التفكير من أساسه، إذ يغدو عمله جذب الأفكار لا التفكير.” و على ضوء خطاب العلامة المنير في ثلاث محاضرات بالعناوين التالية: الحركة النسوية و الجندر في رؤية نقدية، المكانة العليا للمرأة في الإسلام، و الفارق البيولوجي بين الجنسين و علاقة التكامل. ظهرت عدة تفاعلات مع المحاضرات بين القبول و الرفض، أبرز هذه الإنتقادات مقال للأستاذ سلمان الحبيب تعرض فيه لعدة نقاط على خطاب السيد حفظه الله.

رغم أن النقد يساعد على تمحيص الأفكار و لكن الحكمة هي ضالة المؤمن، أي ليس النقد إلا وسيلة و طريق للوصول إلى الحق، لذا فإن مداولة الأفكار في حد ذاته لا يوصل إلى المرام و لا يسد حاجة الإنسان، من هنا رد العلامة المنير على هذه المقالة علمياً بالأدلة و المصادر في عدة نقاط:

  • فبدأ السيد بتوضيح نقطة اللبس الرئيسية في المقال وهي الخلط بين مفهوم الجندر (Gender) والهوية الجندرية (Gender Identity)، معتمدًا على ما ذكرته منظمة الصحة العالمية والجمعية الأمريكية لعلم النفس وموسوعة ستانفورد الفلسفية، إضافة إلى استناده على مقال لجوديث بتلر (Judith Butler) -وهي من أشهر كتّاب الدراسات الجندرية (Gender Studies) في وقتنا المعاصر- في شرحها لرؤية سيمون دي بيفوار، فاتضح فيها أن مفهوم الجندر يرجع بالفعل للسلوكيات والأدوار المكتسبة اجتماعيًا كما ذكر السيد في المحاضرة، لا كما نفى الأستاذ الحبيب في المقال، واتضح أن التعريف الذي ذكره الأستاذ الحبيب في المقال -تصحيحًا للسيد- هو تعريف الهوية الجندرية لا الجندر، وعدم التفريق بين المفهومين دفع الأستاذ الحبيب لهذا الالتباس.
  • النقطة الثانية ما ذكره الأستاذ الحبيب من أنّ ربط السيد بين النسوية والجندر هو مُتكلّف ‪و لا علاقة مباشرة بينهما، ولكن ارتباط التيارات النسوية بالجندر واضح في عدة مصادر، وقد استشهد بعبارة الكاتبة المتبحرة في الفكر النسوي خديجة العزيزي في كتابها: (الأسس الفلسفية للفكر النسوي الغربي)، إذ قالت: “وأبرز هذه المفاهيم مفهوم الجنوسة (الجندر) الذي يعتبر حجر الأساس في النظرية النسوية المعاصرة”، فالنسوية ليست مرتبطة بالجندر وحسب، بل إن الجندر يمثل حجر الأساس لها، وهذا ما أكدته مصادر أخرى ساقها السيد كموسوعة ستانفورد الفلسفية ومجلة الاستغراب.
  • أشار السيد منير كذلك إلى تعدد الاتجاهات في علم النفس حول الفروقات بين الرجل والمرأة، ‪كان هذا رداً على الأستاذ الحبيب الذي اعتبر بعض الفروقات التي ذكرها السيد مثل أن الرجل له نظرة قانونية بينما المرأة تنظر للأمور بشكل أخلاقي هي تعميمات خاطئة لا تستند إلى رأي علمي، إلا أن السيد أشار أنها هذه الفروقات استعدادية و ليست حتمية، و لابد كذلك من الإشارة أن الفروق النفسية في سمات الشخصية بين الرجل و المرأة و التي تعود للفروق البيولوجية أمراً مقرر بأبحاث علمية في علم النفس، و هذه الفروقات ظهرت على شكل الاختلاف في اختيار مجال العمل.
  • علّق السيد على طلب من الأستاذ الحبيب، وهو ذكر إنجازات التيار النسوي وعدم الاقتصار على سلبياتهم، و كان رأي السيد أن هذا الطلب يتناسب مع مقام الندوات والمؤتمرات الثقافية التي من شأنها تناول الموضوع من جميع جوانبه، ولا يتناسب مع المنبر الحسيني الذي كُرّس لنشر المعارف الدينية والدفاع عنها وما يتعلق بذلك من شؤون اجتماعية وتربوية، وعليه: كان من المناسب التعرض للأفكار النسوية المعارضة للمفاهيم الدينية.

أخيراً، نحمد الله تعالى على الثراء العلمي التي تناله قطيفنا الحبيبة، إذ تطرح مختلف الأطروحات بصورة علمية متقنة تثري الساحة الفكرية، و التي تعد الاستثمار الأكبر للأجيال الحاضرة و اللاحقة، ذلك لأن من علامات المجتمع الناضج و الساعي نحو الكمال و الرقي تغليب العقل على العواطف، و التعقل أمر هو الآخر يحتاج إلى رأس مال فكري و سعي و جهد وحمل للنفس على التفكر.

——-

ملحق:

بعض الأبحاث العلمية التي تشير للفرق بين الرجل و المرأة في علم النفس:

Su R, Rounds J, Armstrong PI. Men and things, women and people: a meta-analysis of sex differences in interests. Psychological bulletin. 2009 Nov;135(6):859.

Falk A, Hermle J. Relationship of gender differences in preferences to economic development and gender equality. Science. 2018 Oct 19;362(6412).

Mac Giolla E, Kajonius PJ. Sex differences in personality are larger in gender equal countries: Replicating and extending a surprising finding. International Journal of Psychology. 2019 Dec;54(6):705-11.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com