“طبل المسحّر”.. الناجي الموسيقي الوحيد من معارضة الفقهاء..! آلة يمكن استخدامها في الحلال.. وفي الحرام

القطيف: صُبرة

على امتداد تاريخه؛ كرّس الفقه الإسلامي إجمالاً، والفقه الجعفري خصوصاً موقفاً معارضاً من الموسيقى والغناء وأدواتهما إجمالاً. الموقف متشعّب في تفصيلاته، بدءاً من صناعة الآلة الموسيقية في الأصل، ثم بيعها وشرائها، ثم اقتنائها، ثم استعمالها، وصولاً إلى إتلافها أو عدم إتلافها. وهو ما جعل من آلات الموسيقى محلّ اختلاف بين الفقهاء، استناداً إلى النصوص، وأخذاً بالأعراف، في التفصيلات التي يكون فيها العُرف مرشداً للعمل بالفتوى..!

استثناء نادر

لكنّ المُجمَل؛ هو التحفظ على آلات الموسيقى، وتحديد استثناءات نادرة في اقتنائها واستخدامها، على أساس ألّا يكون الاستخدام منسجماً مع “اللهو” المتعارف عليه عند أهل “اللهو” أنفسهم. وعلى هذا؛ نجا “الطبل” الذي يستخدمه “المُسحِّر” في ليالي شهر رمضان من المعارضة الفقهية، لأن ما يفعله “المسحّر”؛ لا يدخل ضمن “اللهو”، ولا يندرج ضمنه.

عادة إسلامية

استخدم “المسحرون” الطبل في ليالي شهر رمضان المبارك لتنبيه النائمين إلى وقت “السحور”.. تلك عادة قديمة عرفتها المجتمعات الإسلامية منذ القديم، حين كان نمط الحياة، في شهر رمضان، غير مختلفٍ كثيراً عن نمطها في سائر شهور السنة. الناس يعملون في النهار، وينامون في الليل. ويصحون وقت السحر لتناول “السحور” الذي يساعدهم على الصوم. وعلى هذا كان لـ “المسحّر” وظيفة أساسية لم تعد موجودة الآن، بعد التحول الكبير في نمط حياة الناس في شهر رمضان المبارك.

استخدم المسحرون الطبلة في عملهم. صوتها الموقّع برتابة في الأحياء يوقظ النائمين. ثم يأتي نداء المسحر، وأهازيجه، لتؤنس الناس في الأحياء بجولته الليلة المتأخرة. لكنّ هذه الآلة الموسيقى لم تواجه اعتراضاً من الفقهاء الذين يتحفّظون في العادة.

أبو طبيلة

“صُبرة” استطلعت إفادات من رجال دين في القطيف والأحساء، لفهم هذا الموقف غير المعارض من الفقهاء. وفي البداية؛ قال الشيخ عبدالمحسن النمر إنه ألف منذ طفولته منظر المسحر الذي يُعرف في الأحساء بـ “أبو طبيلة”.. بسبب استخدامه للطبل في عمله. ويُشير إلى أنه لم يلاحظ اعتراضاً من المجتمع أو من الفقهاء لهذا الاستخدام.

الشيخ عبدالمحسن النمر

لكن الشيخ النمر لديه فهمٌ للمسألة عند الفقهاء الذين يرون “عدم جواز استخدام أدوات اللهو المتمحضة في الاستخدام اللهوي”، أي أن “قيمة الآلة الأساسية في مجال الحرام”. فـ “هذه الأدوات لا يجوز استخدامها في المحلل ولا في المحرم”. وتمثل الشيخ النمر بآلة العود التي “لا استخدام لها الا بكونها أداة محرمة، لكونها آلة طرب، آلة لهو”. فهذه “لا يجوز استخدامها في الحلال ولا في الحرام”.

غير متمحّضة

لكنّ هناك آلات “غير متمحّضة”، أي غير خالصة في الاستخدام المحرّم، منها “الطبلة التي كانت تستخدم في الأمور مُحللة، مثل استخدام أبو طبيلة”. فهذا الاستخدام لا ينطوي على “لهو”، طبقاً لعرف الناس وعُرف أهل اللهو أنفسهم.. يقول الشيخ النمر “العرف ليس واضعاً للحكم، ولكنه مساعد مشخص لمواضيع الأحكام الشرعية”، أي أن “الحكم الشرعي يُبنى على عنوان عرفي”. ولذلك صار من الجائز ما يفعله “أبو طبيلة” في ليالي رمضان.

ليس لهواً

الشيخ منصور السلمان لديه تعزيزٌ للفكرة. فاستخدام المسحّر للطبلة “لا يتوافق مع اللهو”. و “العمدة التي يستند إليها الفقهاء هي طريقة الاستخدام”. ويضيف السلمان أن هناك استثناءات أُخرى أيضاً، فهناك “الطبل في الجيش” الذي يحفّز الجنود، فهذا لا يمكن وصفه “لهواً”، أو متوافقاً مع ما تعارف عليه أهل اللهو والغناء. كذلك ـ حسب الشيخ السلمان ـ استخدام “الطبول والصنّاجات في مواكب عاشوراء”، إذ لا يمكن وصف هذا الاستخدام بأنه داخلٌ ضمن دائرة الطرب واللهو، فضلاً عن الغناء.

الشيخ منصور السلمان

حلال وحرام

الشيخ علي الفرج يكرّس الفكرة، فكرة فصل الاستخدام عن اللهو. وقبل ذلك؛ يستعيد الشيخ الفرج ذاكرته ليوضّح أن “المسحّرين” في القديح لم يكونوا يستخدمون الطبول، بل أوعية من الصفيح معروفة بـ “تَنَكات”، كانت تُستخدم في تعليب الدبس والدهن.

ثم يشرح آراء الفقهاء بقوله “على رأي أكثر المراجع فإن من الجائز استخدام الآلات المشتركة بين الحلال والحرام”. الطبل يمكن استخدامه في الغناء المحرّم، كما يُمكن استخدامه في معسكر الجيش، وفي غير ذلك مما لا يدخل فيما يمكن وصفه غناءً أو لهواً.

الشيخ علي الفرج

يضيف “أداء المسحر الغنائي لا ينسجم مع عرف أهل اللهو”. ويُشير الفرج إلى أن الفقهاء لديهم آراء متعددة، لكنّ هناك نوعاً من تطور النظرة إلى الآلات الموسيقية والغناء بشكل عام، فهناك من يرى أن الغناء محرّم في حالات يكون فيها نوعاً من المجون، كما في الأوصاف التي يذكرها المؤرخون عن مجالس اللهو والغناء والطرب والاختلاط واحتساء الخمور والرقص المختلط. وما يمكن أن يكون ـ في مجمله ـ أفعالاً محرّمة.

أما الغناء في ذاته، والاستماع إليه دون هذه التوابع؛ فإن من الفقهاء من لا يتحرّج من إباحته.

———–

الصور: من وداع شهر رمضان مساء البارحة في بلدة سنابس، بالقطيف.

(تصوير: أحمد عبدالله)

زر الذهاب إلى الأعلى

لإعلانك هنا ـ مربع

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com