[24] قبس من سماء رمضان

الدكتورة رانية الشريف العرضاوي*

 

{أَفمَن شرحَ اللهُ صدرَه للإسلامِ فهوَ على نورٍ مِن ربّه فويلٌ للقاسيةِ قلوبُهم مِن ذِكر الله أولئِكَ في ضلالٍ مُبين} الزُّمَر/22:

حين ذكر الله -سبحانه وبحمده- مثال فعل الماء بالحياة الأرضية، من إنبات الزرع، جاء التفصيل لماء القلوب وحياتها مناسبا بليغا، ألا وهو ذكر الله. فبدأ بسؤال تقريري، معلوم الجواب، يخبر به عن حال القلوب المؤمنة، وهو حال موسوم بأنه (شَرْح). وأصل الشرح البَسْط والفسح والوضوح والإظهار. وهو أمر يكون في الكلام وغيره. لكنه هنا صار ل(الصّدر). وفي هذا بلاغة عميقة. فالصدر هو الجارحة المعلومة، التي بها ننال المادة الأثيرية البعيدة عن الطين والدنو، ثم اُستعير لِمُقدَّم الشيء، كصدر القناة، وصدر المجلس، والكتاب والكلام. ومنه الصِّدار وهو لباس على الصدر. وصَدَّر الفرس إذا جاء سابقا. ومن هذا كانت العرب في جاهليتها تصدّر الجيش بخيول مرجوّة النصر لسرعتها وكثير صيدها، وقد جعلت على صدورها بياضا من كثرة ما تسكب اللبن المغلي عليها، تفاؤلا بدرّها الفوز والنصر. فكانت الخيل الرابحة موسومة ببياض نحرها لكثرة تكرار هذا الفعل الذي يبيضها بسلخه لصدرها. وقد قيل: حين يذكر الله تعالى القلب، ففي ذلك إشارة إلى العقل والعلم، نحو (إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب)، وحيثما ذكر الصدر، ففي ذلك إشارة إلى سائر القوى الإنسانية من الشهوة والهوى والغضب. لذلك سأل الكليم ربه (رب اشرح لي صدري)، بينما أعطاها الله لنبينا المصطفى -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- دون طلب 🙁 ألم نشرح لك صدرك).

فيكون الصدر في الآية الكريمة منبسطا واضحا بالهداية والمعرفة، يسيطر صاحبه على قواه الطينية، وظلام الغضب والشهوة. فنفسه نفس ذات استعداد شديد موجود في فطرتها، لها رغبات في الروحانيات، مائلة للخير منشرحة للطاعة، موصولة بخالقها. وليس ذلك في صاحب الصدر المتكدّر بشواغل الحس، المغموس في طلب الجسمانيات، قليل التأثر بأحوال النور والروح. فهذا صدر له صاحب عكِر، غابت عنه نورانية المعرفة والهداية، فضاق بمصدرها (النور) أي ذكر الله.

فسِرُّ انشراح الصدر للإسلام هو النور الممنوح من رب العالمين عبر ذكره. والنور على ضربين: دنيوي وأخروي. فأمّا الدنيوي، فإمّا معقول بالبصيرة مثل نور العقل ونور القرآن، وهو ما قال فيه المختار عليه الصلاة والسلام:” اتقوا بصيرة المؤمن؛فإنه يرى بنور الله”. وإمّا محسوس بعين البصر، مشاهد من الأجسام النيّرة.

وأمّا النور الأخرويّ، فهو السَّنا الممنوح من الله يوم اللقاء: ( يسعى نورُهم بين أيديهم). فيكون بذلك النور بَسْط في العقل بالمعرفة والهداية لله وطريق الله. ومن اللطيف، أن توصف المرأة المتزيّنة بحنّاء وما شابهها من زينة بنوّارة، ويقال في بروز جمال شيء منها ب “نارت المرأة”، لوضوح مكمن الجمال فيها؛ والعامة إذا رأت حُسنا في امرأة قالت : منوّرة. فأي جمال هو إذن ذلك الموسوم فيمن شرح الله صدره بنوره.

ونور الله ذكره، وخير ذكره القرآن الكريم، ومن قسا قلبه، صار ذكر الله عليه نفورا وضيقا. بل قد يقع أن كلما تكرّر الذكر عنده ، كلما نفر وأبغض. ألا ترى وجوها تصفح وتدبر عن لذة الذكر قسوةً وهجرانا! وذكر الله عزيز، من جفاه فقد جفا الروح السامية للحياة، فصارت القسوة محنة يعايشها قلبه وفعله وكدره وضيقه. وقد يضل حتى تجده يعادي أهل الذكر، ويرى فيهم مرارة خسرانه وعجزه والعياذ بالله. وهذا من أكثر الألم الذي يلاقيه المُدبر المحروم من انشراح الصدر ولذّة المناجاة. فتأمّل حالك مع الذكر، فهو مقياس قدر النور في صدرك، وثقله على اللسان إشارة لا تحتاج لبيان.

والله أعلم

_______________

* أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية، جامعة الملك عبدالعزيز.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com