[7] حسن البريكي.. الطب حجب مواهبه في الأدب والثقافة والترجمة كتاباته الصحافية تقدّم رصانة أديب وكاتب متمرّس

عدنان السيد محمد العوامي

لك الخيرُ، دعْ للناس شيئًا من العُلى

تطب أنفسٌ حرَّى، عليك، تغضُّبا

ملكت أقاصيها عليهم فلم تدع

لطالبها – أنَّى توجَّه – مذهبا

ولست بمرضيهم، فما كانت العلى

ليُعطى، ولا كان الفخارُ لِيُوهَبا

تأخَّر – قليلاً عن أبيك تأدُّبًا

فمثلك من راعى أباه تأدُّبا

جعفر بن محمد الخطي، القطيفي

وما الشمائل قد رقَّت نوافِلُها

تطيب إلا بمنثور من الأدب

فَذأك أنفَس ذُخْرٍ عزَّ صاحبُه

عن الكتائب- يَغنى المرءُ – بالكتب

آخِ الصديقَ إذا أصفاك خُلَّته

ولم يَشُب صدقَه شيءٌ من الكذب

إبراهيم الأحدب

حسَن الخُلْق، أريحيٌّ، أديبٌ

 وسجاياك تسترِقُّ الأديبا

فزت في حَلْبة القريض طلوبا

ولك السبق طالباً مطلوبا

قد قصرنا من أن نطيل عَنانا

بَعُد النجمُ أن يكون قريبا

إبراهيم الطباطبائي

لكَ الخَيْرُ أمْتِعنِي بِخَيريِّ رَوْضَةٍ

لأنْفَاسِهِ عِنْد الهُجوع هُبوبُ

أليسَ أديبُ النّوْر يَجعلُ لَيْلَه

نَهاراً، فيَذْكو تَحْتَهُ ويطيبُ

ويَطوي معَ الإصباحِ مَنْشورَ نَشْره

كَما بانَ عَن ربع المُحبّ حَبيبُ

ابن الأبار

الدكتور حسن البريكي

من أدبه في الصحافة (1)

أعود فأسدُّ الطريق على من ينكر عليَّ ما قدمت من شواهد على خوض صاحبي البريكي معامع الأدب، وخفق بنوده في ميادين الشعر ومضاميره؛ فلا حق لمن لا يعرف أن يعارض من يعرف إن كان له من النصفة نصيب، فمن أدبه النثري المنشور في الصحف أختار مقالتين:

الأولى:

ما ذا يعني انهيار هذا المثلث الحيوي؟ ([1]):

علاقة متينة غير قابلة للانفصام تشدُّ الإنسان لبيئته الطبيعية، والاجتماعية، وعلى قدر ما تحافظ هذه المنظومة العلاقية على زخمها وحنانها، ثم على ما تنطوي عليه من ودٍّ مشترك وإحساس عميق بالمصير الواحد. على قدر ما يتحقق النماء والازدهار والتفتح لجوانبها الثلاثة معًا.

لنختر الآن لحظة البداية في هذه العلاقة الثلاثية، ولنتتبَّع بعض فصولها ممثلة في مسيرة طفل بشري.

يستقبل المولودُ الخارج للتوِّ من رحِم أمه عالمنا الأرضيَّ بصرخات ملؤها الألم والاحتجاج، ويحلو للبعض أن يردَّ أسباب غضبة الوليد لما يدعونه رَضْحَ([2]) الاقتلاع ، ولم لا؟

لقد كان هذا الكائن، حتى دقائق معدودة مضت، يسبح في بحر الحنان الشفيف. ثمة – في رحم أمه – كان له أكله وشربه يأتيانه رغدًا. يقدَّم له الأكسجين مذابًا مصفى كالعسل، يطعم ويسقى وهو محمول في مهاده، يتلذذ بالدفء، ويستعذب تأرجحات المحيط من حوله. ثم إنه كان في قرار مكين، تحميه – عن عالمنا – خطوط دفاعٍ وأسوار. فهل عجب أن يطلق صرخة احتجاج؟ وأن يفصح عن ألم فراق العالم الجميل؟ لكن؛ تأملوا هذه الصرخة ذاتها وهي تعلن قدومه معافى صحيحًا، يستوعبها الأبوان بشرى عطرة تملأ قلبيهما بالبهجة والأمل، في تلك الصرخة يتمثل كَيان الحياة؛ ألم وفرح، فراق واستقبال، حزنٌ وأمل، وعلى هذا النحو يظل هذا الكَيان في زواج لا يعرف الانفكاك حتى لحظة الموت. بكى الصغير لفقدان فردوسه، وفرح الأبوان باستقبال جسر الاتصال بالمستقبل. ذاك عبَّر عما فاته، وهذان عبَّرا عما يأمُلانه. يأتي هذا الكائن الصغير، إذن، ليجد نفسه – بعد مرحلة انتقالية تطول أو تقصر – في وسط عالمنا الصاخب، عالمِ المِراس والمكابدة، عالمِ الفشل والنجاح، عالم التحدي والمواجهة.

ولقد يُرىٰ هذا القادم كائنًا يتطور نحو استقلالٍ تامٍّ في هيكله وقوامه، في مشيته وقيامه، في تقاسيم جسمه وتقاطيع وجهه، ومع ذلك فإن لحظة تأمُّل قصيرة تكشف عن زَيف هذا الاستقلال. إن حظه من استقلاله كحظ أي خلية من خلايا جسمه، ومعروف أن الخلية لا تستطيع أن تعيش معتمدة على نفسها في هذا الجسم الكبير، فهي بحاجة إلى نسيج ضامٍّ يسندها، وهي متصلة – بما حواليها من خلايا – بقنوات اتصال لا حصر لها ولا عد، عبر هذه القنوات تستقبل غذاءها وأكسجينها، وفيها تصبُّ منتجاتها الفاعلة، أو ما هو في حكم الفضلات، وبين أي خلية ورصيفاتها تمتد بلايين الألياف في تركيبة هي أشبه ما تكون بوسائل الاتصال الحديثة من برق وهاتف وبريد وحواسب، تؤمن لها الانتماء، وتنسق لها الحماية، وتشيِّد لها التماسك. هكذا يتحقق السير السوي للوظائف الحيوية.

لنتخيل – اللحظة – ما ذا سيلُمُّ بهذه الخلية لو تعرضت جاراتها للاضطراب أو الجرح أو المرض؟ لا حاجة لنا لخيال مجنَّح حتى نتصور ما ذا سيحدث من تداعٍٍ وانهيار. هكذا إذن، إذا أصيبت خلية تداعت لها سائر خلايا الجسم {بالسهر والحمَّى}.

لكن الله سبحانه وتعالى لم يخلق الجسم هذا الخلق المعجز ليتركه نهبًا للآفات. لقد أودع الله في مخلوقاته جميعًا – ومنها الإنسان – أوَّلِيَّات الحماية والدفاع والمناعة، والمقاومة، بواسطتها تستعيد الأجسام عافيتها، وبفضلها تستقيم حياتُها، ولو لا ذلك لانقرضت الكائنات عند أول غائلة.

لنترك الخلية، ولنتعامل مع هذا الكائن الذي اسمه الإنسان. إننا سنجده خلية ضخمة تتكون من بلايين الخلايا الصغيرة، وبكونه خلية فلا بدَّ لها أن يكون جزءًا من نسيج عام، وإنه لطريف أن نجد هذه الخلية الإنسانية مزروعة في نسيجين في وقت واحد: الإنسان كخلية مزروع – أولا – في بيئة ندعوها محيطًا حيويًّا طبيعيًّا، وهو مزروع – ثانيًا – في بيئة أخرى هي بيئته الاجتماعية الإنسانية. هاتان البيئتان هما مصدر حياته ونموه وتفتحه وسعادته، وهما – أيضًا، في آن واحد – مصدر شقائه وبؤسه. إنها ثنائية الحزن والفرح مرة أخرى.

هذا الإنسان الخلية لا ينتهي جسمه في المكان بحدود جلده وبشرته؛ إنه في بيئته الحيوية يقيم علاقاته المشتركة معها عَبْر شبكات متعددة من وسائل الاتصال، إنه هناك، أيضًا، بحواسَّ السمع والبصر والشم، وهو هناك بقدرته على الحركة. في هذه البيئة يستحصل على الهواء الذي يتنفس، والغذاء الذي يقتات، وفي هذه البيئة يرمي فضلاته ليصار إلى تدويرها مرة أخرى، في نسق من التناغم والانسجام. والبيئة الحيوية ليست أكسوجينًا وغذاء فحسب. هناك الحرارة، وهناك ضغط الهواء، وهناك الرطوبة.

 وهناك الليل والنهار، وهناك الفصول، وهناك الحيوانات، كل هذه يلتقطها الإنسان بهوائياته، وحواسِّه وقرون استشعاره، ولو شئنا أن نعدد ما يربط الإنسان ببيئته الطبيعية؛ لكانت هذه المشيئة ضربًا من الغرور والتجاوز.

والبيئة الطبيعية ليست ذاتًا سكونية، إنها مثل الإنسان في حركة دائبة، تتغير تغيرًا مفاجئًا فتفزعنا بزلازلها وأعاصيرها وبراكينها، وتتغير تغيرًا بطيئًا كما نرى ذلك في فصول السنة، فتكتسي خضرةً وبهاءً، ولكنها قد تتغير بفعل التصحر والتلوث والجفاف، وعندئذٍ يكون خراب الديار، وهلاك الضرع والزرع.

زعم بعض علماء الآثار مؤخرًا أن إحدى الحضارات القديمة بوادي الرافدين بادت وانقرضت بفعل جفاف استمر لعدة عقود، ومدينة بومبي الرومانية المزدهرة، ماذا بقي منها غير الذكرى بعد أن عصف بها بركان فيزوفيوس؟

وهناك – من تغيرات البيئة الطبيعية – ما هو دون ذلك فاعلية وقوة، ومع ذلك فإنها تفعل فعلها في الإنسان؛ مزاج إنسان في يوم قائظ ليس كمزاجه وهو يستنشق نسمات الربيع العليلة ملءَ رئتيه، والإنسان في مواجهة العاصفة ليس هو الإنسان نفسه وهو جالس قبالة موقد النار في ليلة شتوية.

وبقدر ما يتميز الإنسان بكونه خلية في بيئته الحيوية، يتميز بكونه كائنًا اجتماعيًّا أيضًا. هو هنا في صلة وتواصل مع البشر الآخرين؛ يأخذ منهم ويعطيهم، يسندونه ويسندهم، يصلهم ويصلونه. هكذا تستقيم حياته بالانتماء، ويتأكد اطمئنانه بالحنان، وتتحقق صبواته وهو طفل رضيع يتحقق له أول اتصال بأمه يلتقي في حضنها بالدفء ومن ثدييها يأخذ ما يقيم أودَه, ومنها ومن محيطه يتعلم دينه ولغته، ويشكل مزاجه وملكاته وقدراته.

 إذا كانت تلك هي علاقة الإنسان مع بيئته فما الداعي – إذن – للحديث؟ أو هل نطمع أن تكون علاقتنا أفضل وأحسن من ذلك؟

ألحق إن هذا الاستعراض يصف الأمر كما ينبغي أن يكون، أما واقع علاقة الإنسان بدنياه ممثلة في بيئته الطبيعية، والاجتماعية فلها سجل آخر أسود. ألشعراء ، والفنانون، وكل الصادقين أدوا الحياة بلا رتوش. حين استحقت الثناء أثنوا عليها، وأكثر ما فعلوا ذلك مع بيئاتهم الطبيعية، ولعلهم – في ما صنعوا وأبدعوا – كانوا يقدمون نماذج الخير والطهر والجمال، مقابل ما كانوا يواجهون من صدٍّ وقبح وإنكار، مقابل الزَّيف والزور كانوا يرسمون عالمًا نقيًّا صدوقًا. تلك هي إسهاماتهم في الحضارة، أما الذين شاءوا إلا أن يتصدوا للبيئة الاجتماعية فقد فعلوا ذلك بشجاعة المعري الذي لخَّص تجرُبته في قوله:

كلُّ من لاقيت يشكو حاله

ليست شعري هذه الدنيا لمن؟

أما المتنبي فيضع إصبعه على الجرح فلا يتيه في المعمَّيات كما تاه غيره:

نعيب زماننا والعيب فينا

وما لزماننا عيب سوانا

إن بيئتنا الطبيعية والاجتماعية تسأل: أين ما ندعيه من علاقة متينة بيننا وبينهما؟ أين الانتماء الخلاق؟ أين التواصل الاجتماعي؟ أين الحنان وبيئتنا الطبيعية ها هي تختنق؟ يخنقها التلوث، وتخنقها الضوضاء، ويقتلها الاستنزاف. انظر إلى البحار كيف أصبحت بحيرات ميتة. انظر إلى العمران الأهوج وكيف أتى على الرطب واليابس، ألا يعي الإنسان أن مصيره واحد مشترك مع بيئته؟ إذن فلماذا يصرُّ على السير في طريق الانتحار؟ هذا سؤال المستقبل. هذا سؤال المصير. أم إنها مجرد فصل جديد في دراما الفرح والبؤس واليأس والأنين؟ ومتى تُزلزلنا صرخة الطفل الوليد وهي تذكرنا بصدمة الاقتلاع؟ ومتى تشرق في آفاق الإنسانية فرحة ميلاد عالم جديد؟ متى؟

الثانية:

الإنسان المعاصر – بين الإطراء والطمس([3])

يتميز عالمنا المعاصر بفرادة لا تقارن بأي عصر مضى. يكفي للبرهنة على ذلك أن ما تراكم فيه من معرفة يفوق أضعاف المرات ما تراكم منها منذ فجر التاريخ حتى وقت قريب. وتبرز فرادة هذا العصر بجانب المعرفة النظرية والتطبيقية بما يطرحه على الصعيد الفلسفي الأخلاقي من مفاهيم تُعلي من شأن الحرية والكرامة واحترام الفرد الإنساني، الأمر الذي ترتب عليه تحقق جملة من التغيُّرات الجذرية في حياة الأفراد والمؤسسات والمجتمعات على طول العالم وعرضه.

ويلاحظ أن أكثر ما يمنح ثقافة هذا العصر تفرُّدًا وخصوبة هو احتفاؤها البارز بقيمة الإنسان كفرد، أي كواقع مشخَّص، حيٍّ، نابض بالفعل والحريًّة والطموح والأمل والسعادة، لا كمجرد صورة جميلة رائعة مؤجَّلة، متمثلة في الوعد بالنصر أو البطولة أو إحياء المجد العريق، أو العيش الرغيد.

فرادة العصر وفق ما تزعمه هذه الثقافة ترتكز – باختصار – على إعادة الاعتبار للإنسان الفرد حيث الكل متساوون في القيمة، وحيث الكل “ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”. وإذن فمن حق كل فرد أن يتفتح كما يتفتح الزهر دون إعاقة أو استعباد أو ارتهان.

ولقد جاءت المواثيق والدساتير تؤسس وتعزز لهذه المفاهيم، فصدرت وثيقة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وقامت مؤسسات محلية ودولية تدعم هذه التوجهات.

ومع ذلك فما من عصر ضمر فيه كَيان الإنسان الفرد كما ضمر في هذا العصر، وأي متابعة لمجريات الأحداث الكبرى فيه تكشف لنا ما طغى على حياة الإنسان من ضياع واستلاب وعجز ماحق.

فإذا صحَّ هذا التشخيصُ الافتراضي؛ حُقَّ لنا أن نتساءل لما ذا حصل ما حصل رغم كل ذلك الاحتفال والإطراء لشخصية الفرد المعاصر؟ ثم ما هي تلك الآليات التي تقف خلف هذا التطور المرعب؟

يتبدَّى ضمور وعجز الفرد الإنساني في عصرنا – أكثر ما يتبدى – في مواجهة أربع تحديات لم يسبق له أن واجهها على هذا النحو، أو بهذه الحدة والشدة من قبل؛ أولى هذه التحديات هي مواجهته للوقائع وقد نُزع منها لحمها وهيئتُها، فهي تقدَّم له بصيغ ضبابية أو رقمية. وثانية هذه التحديات هي مواجهته لمآس وكوارثَ ومعضلات تفوق – في حجمها – قدرتَه على الاستيعاب، الأمر الذي يحيله إلى كائن متبلد، محكوم عليه بسلبية الاستجابة. أما ثالثة هذه التحديات فتتمثل في تعرضه إلى ذلك السيل المتواصل من الإثارات، فتجعله مثل خراش لا يدري ما يصيد([4]). أما رابعة هذه التحديات فقد نشأت من ذلك التورُّم السرطاني للمؤسسة الحديثة ممثلة في البيروقراطية، أو قوة المال، أو قوة التعبئة والاستنفار والتضليل.

التحدي الأول: التجريد بدلا من التشخيص.

دماغ الإنسان هو حاسوب طبيعي. مستودع لبرامج كثيرة يضم خبراته منذ أن نزل إلى الأرض، وفي هذه البرامج استقرت ردود أفعاله على ما واجهه في مسيرته الطويلة؛ ولأن وجود الإنسان على الأرض أقدم – زمنيًّا بآلاف السنين – من تاريخه الحضاري؛ فقد تشكلت معظم هذه البرامج خلال تلك الفترة، وكانت مكونات هذه البرامج ما ترفده به حواسه من معلومات عن المحيط الذي يعيش فيه ويصارع تحدياته. لقد شحذت حواس النظر والسمع والشم والتذوق، وكانت الإثارات التي تدخل برامج الدماغ عبرها تكيف استجابته على نحو متوافق مع احتياجاته . قد تكون استجابته هروبًا، أو صياحًا، أو فرحًا، أو مدافعة.

وفي البداية كان هناك الإنسان وتحديات الطبيعة، غير أن تواصل الوجود الإنساني مع تراكم التعرض والخبرات أدى إلى تكوين تركيبة ذهنية غريزية استمرت – إلى يومنا – هذا عمادًا وأساسًا لتكوينه، ولردود أفعاله. تَرى ما الذي طرأ في عصر المدينة حتى بتنا نشاهد تعطل هذه المنظومة، فبدا الإنسان وكأنه يخسر الرهان؟

 في الماضي – حين كان الإنسان يخرج إلى خصمه في مبارزة فإنه كان يقف منه وجهًا لوجه، يسمع أنَّاته، ويتابع تشنُّجات وجهه، وأن ذلك قد يهذب موقفه، وقد يدفعه للعفو، أما اليوم فإن حائلاً عظيمًا يقوم بين الإنسان وخصمه هو تلك الاستطالة المرعبة التي نسميها الآلة. ضغط على زر فإذا بالطوربيدات أو القنابل تخرج من أحشاء الآلة الجهنمية، وإذا بنا نسمع عن الدمار الشامل، وقتل الآلاف دون تمييز. الإنسان المقاتل – وهو عادة آلة إنسانية – أصبح معفيًّا من مشاهدة التشويه والقتل والدمار الذي حدث بحركة الضغط تلك. كما أصبح – في ذات الوقت – معفيًّا من سماع الأنات، والعويل عند ضحاياه.

فإذا انتقلنا من قائد هذه الطائرة أو مطلق الصاروخ؛ فكيف سنتلقى نحن نبأ هذه المجزرة؟ سيقال لنا خبر الدمار في صيغ ضبابية ترسم جرحى وقتلى العدو من نساء وأطفال وكهول وجنود كما لو كانوا قطيعًا من الجرذان، وربما يقال لنا إن عدد القتلى ألف أو مائة ألف. ولقد نعلم أن الصرب جمعوا آلاف المسلمين في معسكرات اعتقال يسومونهم الخسف والهوان والتجويع. هنا لا يستطيع الدماغ البشري أن يتفاعل. قد تصدر عن الإنسان المستمع صرخة دهشة، لكنها سرعان ما تخبو وتموت.

لنأخذ الآن الصورة المعاكسة؛ أمٌّ فيتنامية أصابتها شظايا قنبلة ناﭘـالم تهرول عارية تطلب النجاة، حاملة طفلتها المحروقة على ذراعيها أمام أعين ملايين البشر، فماذا كان صداها؟

 لقد هزت هذه الصورة وجدان العالم، وحرَّكت الضمير الأمريكي، وهزَّته هزًّا عنيفًا، ولنعد إلى إخوتنا في البوسنة، متى بدأ الإحساس بالفضيحة يجتاح أوروبا؟ أليس بعدما شاهدوا أسرى معسكرات الاعتقال من المسلمين وقد تحولوا إلى هياكل عظمية شاحبة؟ تلك هي اللحظة التي دفعت بهم إلى التفكير في إقامة محكمة لمحاكمة مجرمي الحرب الصرب.

الإنسان بتركيبته لا يستجيب للحدث إلا عندما يتشخص أمامه نزفًا أو ألمًا أو صراخًا أو موقفًا إنسانيًّا، وهذه التركيبة يعرفها كتاب السيناريو ومخرجو السينما أو التلفزيون والمسرح، فتراهم يحيلون قصصًا تافهة إلى مشاهد أخَّاذة لافتة تدفع إلى مشاركة الجمهور الوجدانية. كما إن قادة الحروب والساسة يعرفون متى يُظهِرون هذا التشخيص لفائدتهم حين يحتضنون الأطفال، وحين يختلطون بالجماهير، يحيون هذا، ويبتسمون لذلك. لكنهم – أيضًا –  يعرفون كيف يغيبون مشاهد الدمار والقتل، فتبرزها مؤسساتها كما لو كانت ألعابًا تلفزيونية ممتعة. تلك تحديات العصر الذي فشل الإنسان في استيعابها فأدت إلى ضموره وتهميشه.

ما من شكٍّ في أن كلتا مرافعتَي الدكتور حول هذا المخلوق الغريب، المصطلح على تسميته الإنسان لا مزيد عليها بهجًا وأسلوبًا، شكلاً ومضمونًا، لكنني لما اعتدنا – هو وأنا – عليه من المناكفات والمعارضات، لا بد لي من أن أعارضه، ولو في بعضها على الأقل، فالذي أراه بكل تواضع أن الإنسان هو الإنسان، إلا من عصم ربي، وبانتظار الحلقة التالية سأشحذ كل أسلحة العمار الشامل فإلى اللقاء.

———-

([1]) جريدة اليوم، العدد 7592، الثلاثاء 17 شوال 1414هـ، 29 مارس (آذار) 1994م، صفحة الرأي، (7).

([2]) الرضْخُ: الكسر، للنوى ونحوه. تاج العروس.

([3])جريدة اليوم، العدد 7851، الثلاثاء 11 رجب 1415هـ، 13 ديسمبر 1994م، صفحة الرأي، (9).

([4]) إشارة إلى لبيت المشهور: تفرقت الظباء على خراش

فما يدري خراشٌ ما يصيد

   وهو الشائع لدى الناس، وخراش مصحَّف عن خداش، وهو رجل نصراني أسلم، ثم اعتنق الخرَّمية، واتبعه عليها خلق كثير عرفوا بالخداشية، وفيه قال الشاعر هذا البيت. انظر. الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي، تأليف أبي الفرج المعافى بن زكريا بن يحيى، المعروف بابن طرَّار الجريري النهرواني، ضبطه وصححه عبد الكريم سامي الجندي، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1426هـ، 2005م، ص: 563.

اقرأ الحلقة السابقة

[6] حسن البريكي.. أديب حجب الطب مواهبَه في الشعر والثقافة والترجمة

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com