[21] قبس من سماء رمضان

الدكتورة رانية الشريف العرضاوي*

 

{اللهُ الذي خَلقَكُم مِن ضَعفٍ ثمّ جعلَ مِن بعد ضَعفٍ قوّةً ثمّ جعلَ مِن بعدِ قوّةٍ ضَعفا وشَيبةً يخلقُ ما يشاءُ وهوَ العليمُ القديرُ} الروم/54:

يضعنا المشهد القرآني هنا أمام حقيقة كونية، تتمثّلُ في أنفسنا البشرية، واصفا حالنا الدائم مذ أن أوجدنا الله على هذه الأرض؛ إنها دورة حياتنا.

حيث تقرر الآية الكريمة مراحل الحياة التي نحياها ابتداء وانتهاء، وذلك ضمن ثلاثة أحوال من الضعف، وحالين من القوة. ومن اللطيف أنّ أنواع الضعف والقوة؛ قد وشَى بهما مجئ الكلمتين نكرتين في التكرار. وتكرار النكرة دون تعريفها دليل على اختلاف دلالتها، ومن ذلك قوله تعالى: ( فإنّ مع العسر يسرا* إن مع العسر يسرا) يقول ابن عباس: “لن يغلب عسرٌ يسرين”، فالنكرة تلو النكرة يعني نوعين من اليسر، فلو كانت نفسها لجاءت (يسر) الثانية معرفة. مثل قولنا: رأيت رجلا، فقال لي الرجل كذا. أي هو نفسه. ومن ثم يكون القارئ في الآية المختارة أمام ثلاثة أنواع من الضعف، ونوعين من القوة.

فأمّا الضعف؛ فهو خلاف القوة، ويكون بفتح الضاد وهن في العقل والرأي، وبضمها هو ضعف في البدن كما يقول الخليل بن أحمد. وهو حال يستلزم العناية والمعاونة والاحتياج. والضعف الأول في الآية، قد جاء مسبوقا بمن، وهو يعني: أصل البناء في الإنسان ممتد من الضعف ومركّب منه. أي حال كونه نطفة (من ماء مهين)، تصير بعد ذلك جنينا معوزا للرعاية حتى يكون الميلاد. ثم يبدأ الضعف الثاني، فيكون وليدا ورضيعا ثم فطيما طفلا. وفي أحواله هذه يكون تحت رعاية الوالدين وعنايتهما الشاملة. وأما القوة التي فيه هنا، فهي قوة تحركه للحياة، كبكائه إذا جاع، وهدايته للبن، وطلبه للنوم وغيره. وكل هذا سبيله فيه بكاء قوي يضمن له عيشا وعونا. فإذا بلغ، واشتد كانت القوة الثانية الظاهرة، وفيها يكون التكليف، ويكون ضعفه في حاجاته المودعة فيه، من شهوات النفس، وشواغل الحس، والميول التي جُبِل عليها، وانقادت نفسه إليها. فلمّا يقوى هاهنا، تصبح رعاية من كان يرعاه في ضعفه الأول حقا مسؤولا عنه، ووديعة عرفان وإحسان لابد من ردّها. فيصير الراعي رعية، والرعية مقام الراعي الأول.

وهنا، تعود الدورة لأولها، فيهِن العظم، ويجتمع الضُّعف مع الضَّعف، فيكون القوي كهلا ضعيفا، تعلو راية البياض فوديه، وتعلن ضعف اللون في منابته، فيحلّ البياض الذي هو انعدام اللون مكان ربيع الشباب، ليعلن الضعف الأخير حضوره.

كل هذا، وعلم الله (العليم) محيط بأحواله وأعماله، حال تكليفه وإلزامه، فإن أحسن استحق الثواب، وإن أساء كان العقاب. والعليم في انتقالات الإنسان معه، وبحاله خبير. و(القدير) ذو القدرة على إثابته وعقابه موجود، وهو بعد ذلك قادر على إحيائه بعد موته، وبعثه ونشره.

فانظر إلى تلخيص آية الله في خلق الإنسان، وبرهان وجوده دليل ماثل في أنفسنا وخلقنا وحياتنا ومماتنا. كل ذلك، وإن لا نراه في ذواتنا، لكننا نراه شاخصا في ذوات غيرنا.

وهنا من اللطيف، أنّ الله يعلّمنا على تأصيل الضعف فينا، أنّ سبيل القوة هو القرب منه، والسعي في مرضاته، ويحثنا بوصية نبوية تقول : “المؤمن القوي أحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير”. حتى يكون المؤمن حرّا من أسر الطين الضعيف، قويا بنور الله وحبه.

والله أعلم

___________

* أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية، جامعة الملك عبدالعزيز.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com