[19] قبس من سماء رمضان

الدكتورة رانية الشريف العرضاوي*

 

{وعِبادُ الرحمنِ الذينَ يمشون على الأرض هونًا وإذا خاطَبهُمُ الجاهلونَ قالوا سلامًا} الفرقان/63:

تبدأ الآية الكريمة بجملة اسمية، والجملة الاسمية كما يقول عبدالقاهر الجرجاني تدل على الثبات والقرار، بينما في الجملة الفعلية قابلية للتغيير والحركة، وهذا ما يجعل التركيب الاسمي غالبا هنا. حيث تتكلم الآية الكريمة عن صفات تكون ثابتة في فئة من عباد الله، وهم المعبّر عنهم ب (عباد الرحمن). ومفرد عباد هو عبد، والعبودية إظهار التذلل، لكن العبادة أبلغ لأنها غاية التذلل لله، ولا تُستَحق إلا بغاية الإنعام، ولذلك لزم صرفها لله وحده. وقد استخدم جمع (عباد) في الآية، ولم يقل (عبيد)، لأن عبيد هو جمع العبد الذي هو مُسترَقّ، وأمّا عباد فجمع للعابد.

وفي إضافة عباد لاسم الله (الرحمن) دلالة عظيمة؛ إذ أنّ في ذلك تخصيص وتمييز لفئة من عباده تستلزم تشريفهم. وهو ما جعل تسميتها إضافة تشريف وتفضّل. وقد اختصّهم بالرحمن وليس الرحيم، رغم أنّ الرحيم رحمته خاصة بالمؤمنين، لكن الرحمن رحمته عامة. وفي ذلك تعظيم للرحمة التي تكون لهم ولغيرهم، لتمكين مزيد أمان بسعة الرحمة من الرحمن.

ثم وصف هؤلاء العباد بصفة نهارية، تدرك بظهور دون خفاء، وهي (يمشون على الأرض). فالمشي الانتقال من مكان إلى مكان بإرادة، ويكون نهارا. وهذا ما يعلل مجئ الفعل مضارعا (يمشون) ليدل على استمرارية الفعل وتكراره، فالمشي حركة اختص بها الإنسان. ومن معانيه النماء والزيادة، وهو ما يشير هنا إلى أن في حركتهم دوما نماء للخير وزيادة تتضح بكلمة (هَونا). فمشيهم المستمر، الذي يكون به الخير، يخلو من احتمالية أي مشي قد يقع منه سوء. فالهَون هو السكينة والوقار، ويخلو من الإهانة والتصغير، وذلك لأن السياق يأبى أن يكون لعباد تشرفوا بإضافة صفة الرحمن إليهم أن يلحق بهم أي تصغير أو تحقير. ومن جميل بلاغة الآية هنا، أن (يمشون على الأرض) جملة فعلية حملت معنى الحركة المستمرة، ليكونوا أهل عمل دؤوب لا يكلّ ولا يملّ. وهو ما جعل هذه الجملة الحمالة للحركة البشرية المتعلقة بالأرض وحاجات الإنسان، جعلها بحاجة إلى قوة السكينة في المصدر (هونا). فصارت حركة دائبة، لا تفارق السكينة والوقار.

وهذا ما ينقلنا إلى حال مشيهم الذي يعترضه أحوال السعي والمخالطة مع أصناف البشر المختلفة في الآية التالية. (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)، إذ يكون مع لزوم السعي والمشي اتصال وتخاطب. والمخاطبة هي المراجعة في الكلام، والخَطْب أمر يقع. فلمّا كان المشي الهين على الأرض، كان وقوع الكلام منتظرا، من فئة تخلو نفوسها من العلم، وتعتقد في الشيء خلاف مافيه، أي (الجاهلون). وهذه فئة فيها الخفة والأذى بخلاف سكينة عباد الرحمن، فهم يجهلون مقام عباد الرحمن، وظنوا لينهم ضعفا، ففعلوا ما يخالف المتوقع من احترامهم، فجهلوا عليهم.وكان جواب عباد الرحمن (سلاما).

وهم قالوها، ولم يردوا بها، فكأنها لازمة قول لهم دونما رد وتفاعل مع مخاطبة الجاهلين. و (سلاما) على النصب هي تحية مودع، والتقدير أسلم سلاما أو أعرض سلاما. بينما لو كانت بالرفع كما في قول الخليل عليه السلام: (قال سلامٌ قوم منكرون) لدلت على الاستقبال والتحية. فالنصب على التوديع والرفع على تقدير (هذا سلام) تحية.

وبذلك نقلت الآية مشهدا تاما لحال عباد الرحمن النهاري في سعيهم وعملهم ومخالطتهم ثم ترفّعهم بما شرفهم الله.

والله أعلم

_____________

* أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية، جامعة الملك عبدالعزيز.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com