[18] قبس من سماء رمضان

الدكتورة رانية الشريف العرضاوي*

 

{وقلْ ربّ أعوذُ بكَ مِن همزاتِ الشياطين* وأعوذُ بكَ ربّ أن يحضُرون} المؤمنون/98-99:

يأمر الله نبيه محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ومن اتبعه، بأن يحسن للمسئ ما استطاع إلى ذلك سبيلا. فيدفع بالسيئة الحسنة، ليؤسس ميثاقا للصفح عن المسئ مهما بلغت سيئته. ولمّا كان هذا مقام سامٍ عظيم، يصعب على البشر من غير الأنبياء، جاءت الآية المختارة (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين). فالعبد عندما يتلقى إساءة من آخر، يكون في حال استقبال كثير من رغبة في انتقام، وشعور بغضب.وهذه حال يسهل للشيطان فيها التمكن، ويصعب على المرء فيها بذل مغفرة وإحسان. فكان أن جاء الأمر بالاستعاذة بالرب سبحانه وبحمده من (همزات الشياطين).

والملحوظ في استخدام كلمة الهَمْز، أنها تدور في حقول دلالية لا تخرج عن: العَصْر، والضغط، والدفع، والضرب، والتعييب في غيبة الإنسان.وهذا يعني بأنّ الفعل الشيطاني سيكون فعلا قويا، يمارس ضغطا عاليا على المرء الذي يحاول دفع السيئة بالحسنة. وإلا لقال في غير كتاب الله (وسوسة) الشيطان مثلا. لكنّ الوسوسة هي حديث النفس الفاسد وهمسها بما يخالف، والوسوسة صوت الذهب وشنشنته، وهي مصادر أفعال خفيفة لا يُمارس ضغط عال فيها، فلم يكن من المناسب وضعها في سياق هذه الآية.

ثم انظر إلى إضافة الهمزات للشياطين، وهو جمع للاسم المفرد شيطان، من الفعل شطن إذا اعتبرنا النون أصلا في الكلمة. والشطن هو الحبل الشديد الفتل، ويستسقى به، ويشد به الفرس. ويقال بئر شطون أي ملتوية عوجاء، والشطون المِعوج، المائل، الخبيث. فيكون المارد من كل جن هو الشيطان، بقبح فعاله، استحق قبح سيرته. وفعل الهمْز فعل قوي، يحتاج لفاعل قوي أيضا، يشد الإنسان، ويميل به عن الاستقامة إلى الاعوجاج. فكان من تمام التناغم بين اللفظتين المتضايفتين (همزات الشياطين) هذا الحضور. فقاصد الصفح، وباغي العفو، لمن أساء إليه، وآذاه، يكون مشدودا بقوة تجاه جهة الانتقام، ورد الاعتبار، والانتصار للنفس. ويكون هذا هو الهمز من الشيطان، وعصره والضغط عليه، حتى يفرغ من قدرة الصفح النورانية، ويحل مكانها القدرة الانتقامية الغضبية، التي هي من نفح الشيطان المخلوق الناري الغضبي، وهمزه.

فانظر إلى تقريب الآية وتفصيل حال الإنسان ومقاماته النفسية المختلفة. فكانت الاستعاذة من هكذا موقف هي السبيل لضمان تحقيق الصفح، والفوز بالحسنة بدلا من السيئة، والباب الذي يكون فيه الخلاص من همزات الشياطين ووسوستها.

والله أعلم.

_____________

* أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية، جامعة الملك عبدالعزيز.

زر الذهاب إلى الأعلى

لإعلانك هنا ـ مربع

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com