الاستعمار والإمبريالية وابنتهم “عولمة”

الدكتور أحمد فتح الله

كثيرًا ما يُعامل “الاستعمار” والإمبريالية” على أنهما مفهومان مترادفان، رغم اختلافهما في الاشتقاق اللغوي والأصل التاريخي (1). الطريقة البسيطة للتمييز بينهما هي اعتبار الاستعمار (Colonization)، الذي هو اتخاذ “مستوطنات” (مستعمرات colonies، واحدتها مستعمرة colony) في أراضي الغير(2)، على أنه “ممارسة” والإمبريالية (Imperialism) هي “الفكرة الدافعة” لهذه الممارسة.

بدأ الاستعمار(3) في شكله الحديث في الظهور لأول مرة منذ حوالي 400 عام، وغير المشهد الاقتصادي للعالم إلى الأبد، وذلك لسبب واحد، أنها مكنت أوروبا من الثراء بشكل مذهل من التجارة التي أنتجتها. ولقد تم خلق أسس ما نفكر فيه الآن على أنه رأسمالية السوق الحرة خلال الحقبة الاستعمارية، جزئيًا للتعامل مع التجارة.
السُّؤال الذي لم يحسم بعد في الأوساط الأكاديمية، بين المؤرخين على وجه الخصوص، هو ما إذا كان الاستعمار مهمًا فقط لعواقبه الاقتصادية، أو ما إذا كانت العوامل الثقافية (مثل التبشير للديانة أو الشعور بالتفوق العرقي) تلعب أيضًا دورًا فيه؟
الإمبريالية، الكلمة التي لها دلالة توسعية على وجه التحديد، لها تاريخ طويل، حيث ارتبطت لأول مرة بروما القديمة، ولكن لم يبدأ استخدامها كثيرًا في العالم الناطق باللغة الإنجليزية حتى أواخر القرن التاسع عشر. الإمبريالية، التي هي نمط من السعي لتحقيق “إمبراطورية”، اسمها مشتق من الكلمة اللاتينية إمبريوم (imperium) بمعنى “سلطة القيادة”، وتعني الحكم والسيطرة على أقاليم كبيرة. بعبارة أخرى هي سعي دولة ما لتوسيع سلطتها وتأثيرها عبر النفوذ العسكري والثقافي والسياسي، ووسائل أخرى. لعبت الإمبريالية دورًا كبيرًا في تشكيل العالم المعاصر، وسمحت بسرعة انتشار الأفكار والتقنيات، وساهمت في تشكيل واقعي عالمي جديد: “العولمة”.

العولمة (Globalization)
العولمة، باختصار شديد، هي تحويل الظواهر المحلية أو الإقليمية إلى ظواهر عالمية، فـ “عَوْلَمَةُ الاقْتِصادِ”، على سبيل المثال هو: “إِعْطاؤُهُ طابَعًا وامْتِدادًا عالَمِيًّا” (معجم الغني، عبدالغني أبوالعزم، صدر: 1421هـ/2001م). وفي عرف الاجتماعي السياسي هي عملية مستمرة تتضمن مجموعة مترابطة من التغيرات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية، التي تطرأ على المجتمع. وهي تنطوي -بوصفها عملية- على تكامل متزايد لهذه الجوانب من الدّول والأقاليم والمجتمعات، وحتى الأماكن التي تبدو معزولة.
تشير العولمة عمومًا إلى الفترة منذ عام 1989م، التي أعقبت انهيار جدار برلين وانهيار نظام الحرب الباردة (بين القطبين الشرقي (بقيادة الاتحاد السوفيتي –الشيوعية/الاشتراكية- والغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية (الرأسمالية)). على عكس الحقبة الاستعمارية السابقة، تتميز العولمة بانحلال الحدود الوطنية ومؤسسات الدولة لصالح النشاط الاقتصادي العابر للأوطان. كما تميز عصر “العولمة” بتفاعلات ثقافية مكثفة سهلتها التكنولوجيا (خاصة الانترنت والفضائيات، ووسائل التواصل المتعددة)، فضلًا عن انفجار هجرات الشعوب المختلفة في اتجاهات مختلفة.
هناك جدل كبير بين المؤرخين والاقتصاديين حول متى ظهرت العناصر التي نعتقد الآن أنها تشكل “العولمة” لأول مرة. يقول البعض إن أهم لحظة كانت عام 1970، عندما تم إسقاط “معيار الذهب”(4). يرى آخرون أن هيكل التسلسل الهرمي السياسي العالمي، وكذلك أنماط النمو الاقتصادي والتنمية (حيث نمت بعض البلدان غنية بشكل مذهل بينما ضعف البعض الآخر إلى حد كبير، أو تم استغلالها من أجل العمالة منخفضة المستوى) على أنها مشابهة تقريبًا لتلك التي تم تحقيقها في الحقبة الإمبريالية العالية في تسعينيات القرن التاسع عشر. بالنسبة لهؤلاء العلماء، فإن “العولمة” هي ببساطة “إمبريالية” باسم مختلف(5).

يتبع

___
الهوامش
(1) في معجم العربية المعاصرة لأحمد مختار عمر وآخرين (صدر: 1429هـ/2008م)، على سبيل المثال: “إمبرياليَّة: [في السياسة] استعمار أو احتلال أو نزعة تسلُّطيّة من بعض الدول للاستحواذ على بعض الأقاليم المستقلَّة أو شبه المستقلَّة، بالسيطرة الاقتصاديّة والسياسيّة.”
(2) ويعرف الإستعمار بعدة تعريفات، أحدها: “استيلاء دولة على قطر من الأقطار، وإدارة شؤونه والعمل على استثمار مرافقه المختلفة، إما بيد مهاجرين يرحلون إليه، أو سكانه الأصليين، أو بإشراك كلا الفريقين، والدولة المستعمرة تضمن لنفسها ولقومها أعظم فائدة تستطيع الحصول عليها.” (معارف منوعة، انظر: “المعجم”: https://www.almougem.com/search.php?query
(3) كلمة “استعمار” ترجمة خبيثة (بمعنى ليست بريئة) للكلمة الإنجليزية colonization، التي يفترض أن تكون ترجمتها بما يعكس مفهوم الهيمنة والاستغلال اللذان لا تحملهما الكلمة العربية “استعمار”. وهذا ما أتناوله في الجزء الثاني من هذا المقال. 
(4) “معيار الذهب” أو “قاعدة الذهب” أو نظام الذهب الدولي، ويعرف بـ “غطاء الذهب”، هو نظام نقدي تعتمد فيه وحدة الحساب الاقتصادية القياسية على كمية ثابتة من الذهب. تم استخدام “معيار الذهب” على نطاق واسع في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. تخلت معظم الدول عن معيار الذهب كأساس لأنظمتها النقدية في مرحلة ما من القرن العشرين، على الرغم من أن العديد منها لا يزال يحتفظ باحتياطيات كبيرة من الذهب.
(5) يقال أن عالم الاجتماع هلموت شلسكي (Helmut Schelsky) قد تنبأ في الخمسينيات من القرن الماضي بنشوء دولة توتاليتارية من نوع آخر، دولة لا تستخدم العنف لتحقيق الهيمنة بل تستخدم أجهزة إلكترونية تحقق من ورائها السيطرة الكلية على مستخدميها من خلال وضعهم في شبكات مع إخضاعهم إلى نمط من الرسائل الإعلامية تأثر على سلوكياتهم وتشكيل الرأي العام عامة. هذه هي “العولمة؛ فنتيجة النمو الكبير في شبكات وخدمات الاتصالات، فان الدول بدت بلا حدود وكأن العالم وحدة واحدة، وحاكمها “افتراضي”، أو هو مثل “الفيروس” لا يرى بالعين المجردة.

زر الذهاب إلى الأعلى

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com