[14] قبس من سماء رمضان

الدكتورة رانية الشريف العرضاوي*

 

{فاصْفحِ الصّفحَ الجميل} الحِجر/85:

يأمر الله سبحانه وتعالى نبيه محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، بأن يعرض عن سيئات الكافرين، ويتجاوز عن ذنوبهم، حتى تستقيم له المهمة، وتتم له الدعوة. ويأتي هذا الأمر في تركيب بلاغي هو حقيقة قاعدة أخلاقية، في إطار المعاملات البشرية، والعلاقات الإنسانية. فالأمر وإن كان هنا خاصا بسياق خطابي نبوي، إلا أنه تقييد لقاعدة راقية في مدونة التعامل والأخلاق. ولتتأمّل معي كلمة (الصفح) ابتداء. إذ تعني عَرض الشيء وجانبه، كصفحة الوجه وصفحة السيف وصفحة الحجر. ومنها المصافحة، وهي مفاعلة من إلصاق الكفّ بالكفّ وإقبال الوجه على الوجه. وهي ما يشير إلى أنّ في الصفح معنى التفاعل بين المذنب والقادر على الانتقام. فالمذنب هنا يقع تحت وطأة قوة صاحب الحق مع قدرته على العقاب، بيد أنه يسقط العقاب عنه مقتدرا. فيكون الصفح كحال من أدار وجهه عن الذنب، فأعطاه جانب وجهه، وهو هنا متجاوز عن الذنب، مع بقائه في علمه ومعرفته.

ولعل المقياس في تمام حقيقة الصفح هو تحقيق المصافحة بأركانها الثلاثة: إلصاق الكف بالكف على التمام، وإقبال الوجه على الوجه، ثم التمام بإحسان التبسم. عندها يستطيع المرء أن يجزم بتحقق الصفح. من جهة أخرى، في الصفح إسقاط للعقاب تجاوزا دونما إثبات الثواب، مع بقاء الذنب وتجاهله، كمن يتصفح ورقة فيتجاوزها ولذلك تسمى الصفحة. بينما هو أدنى من العفو الذي يكون فيه محو للذنب بعد التجاوز عنه، وأدنى من الغفران الذي يكون مع تجاوز وإسقاط للعقوبة ومحو للذنب، ثم بذل الثواب. وحتى يكون هذا الصفح لائقا بمقام النبوة العظيم، جاء تعريفه بصفة (الجميل) فهو ليس صفحا عاديا، بل هو صفح مقرون بالجمال. والجمال كثرة الحُسن في ذات الإنسان أو في غيره. والصفح الجميل واحد من ثلاثة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال: “الصبر الجميل هو الذي لا شكوى معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذى معه، والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه”. ومن ثَمّ، يصبح الصفح الجميل سمة الصالحين اقتداء بسيد المرسلين صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

ولكن لماذا التأكيد على رفع العتب حال الصفح؟ ربما لأنّ الصافح هنا لم ينسَ الذنب من المذنب، بل تجاوز عنه فقط، وهو ما يعني بقاء شيء منه في النفس، وهذا حتما قد يستدعي في النفس البشرية حبّ العتب، والملامة، لتشفي شيئا من صدرها. فجاء التنبيه على ذلك، ليكون خلق الصفح راقيا ساميا، لا يتأتى إلا لمتبع لمنهجية الخُلق العظيم، والعدل حتى ساعة التكرم بالصفح، فيصير صفحا جميلا. ولعل في هذا ما ينبّه إلى ترك فظاظة العَتب، ومُرّ اللوم، الذي ينفّر الإنسان من جمال الاعتذار، ويُفقر الخُلق من كرم العفو والسماحة. فالمفخرة والزهو بالصفح سبيل لخسران نفعه، وطريق لارتواء حظ النفس من اللوم والعتاب. وكم من صافح لكثرة عتبه تمنيت لو أنه ما صفح!

والله أعلم.

___________

* أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية، جامعة الملك عبدالعزيز.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com