[13] قبس من سماء رمضان

الدكتورة رانية الشريف العرضاوي*

 

{قالَ إنّما أشكو بثّي وحُزني إلى الله وأعلمُ مِنَ الله ما لا تعلمون} يوسف/86:

لا تنقضي الحياة دون أن نأخذ حظنا فيها من ابتلاء يكون فيه شيء من حزن. ولمّا كان في قصص الأنبياء ما يعين على التصبر؛ جاء التفصيل البليغ في حزن نبي الله يعقوب في قصته مع الفقد اليوسفي الحزين. وفي موقف يعقوب عليه السلام ابتداء مع فقد حبيبه يوسف – عليه السلام- جميل صبر وتصبّر لكل من وقف وقفة الفقد بين يدي عزيز أو حبيب، وهو عاجز لا يستطيع شيئا. هذا الفقد اليوسفي الممهور بالغياب الطويل عن عيون الأب الصابر، غياب يمتد لأربع وعشرين سنة على بعض الأقوال. كل هذا الزمن وهو لا يدري أحيّ ابنه أم ميت.

وعندما شُفّع فقد يوسف بفقد بنيامين ثم الابن الأكبر، صار الحزن أحزانا. إذ تجدد وجع الفقد وحزن الغياب مرة أخرى؛ وكما قيل : نكاء القَرح بالقرح أوجع. فالحزن الجديد يقوي الحزن القديم الكامن، والجرح في مكمن الجرح أشد ألما. وفي خضم هذا الوجع، تأتيك الآية الكريمة واصفة حال الصابر يعقوب -عليه السلام- واصفة بدقة بليغة أوجاعه المتجددة. فقال بعد عتب أبنائه عليه لحزنه الطويل: (أشكو بثي وحزني إلى الله). وتأمّل معي توجيه الشكوى في أمرين هنا: البثّ والحُزْن. وبينهما فارق بديع؛ فالبثّ من الفعل بَثَث، وهو يعني فرّق ونشر وكشف، والمبثوث: الكثير. وكأنّ الغمّ هنا كان كامنا مستورا، مدفونا بثقله داخل صدر الفاقد يعقوب، ولكنه لمّا تجدّد بفقد ابن آخر، صار كثيرا عظيما لا يمكن كتمانه، فكان لابدّ من تفريقه بعد تكراره، لذلك قال (بثّي) أي غمّي وهمّي الذي انتشر في نفسي فانكشف في دعائي وشكواي إلى الله. ومن جمالية الكلمة المختارة هنا، صفة الهمس التي هي لحرف الثاء، فعند النطق به ينتشر النفس والهواء في الفم لضعف الاعتماد على المخرج. فالثاء مهموسة منتشرة بضعف، وكذلك كانت شكوى يعقوب من غمه المنتشر في قلبه، والذي نطق به لربه وكشف عنه، فهو العبد الضعيف بين يدي جبّار القلوب الكسيرة.

بينما الحزن بضم الحاء وتسكين الزاي هو غليظ الهمّ وثقيله، لكنه مقدور على كتمانه رغم ثقله. وجاءت الكلمة في قراءة بفتح الحاء والزاي (حَزَن) وبتوالي الفتحتين تكون الخِفّة في نطق الكلمة، وهذا ما يعلّل إلى حدّ ما أنّ الحزَن في معناه الغم بلا ضيق الصدر لأنه أخفّ من الحزن بتسكين الزاي (حزْن). فانظر إلى بلاغة التركيب، فيعقوب يشتكي إلى ربه ما لا يمكن كتمانه وما يمكن، وماهو ثقيل وما هو خفيف في حزنه. وهذا كمال التوجه إلى الله وحده في مقام الحزن والابتلاء، وهو التوجه الصابر المحتسب الذي هو الصبر الجميل بلا شكوى للناس أو أي استدرار لتعاطفهم.

وفي هذا موقف جدير بالاعتبار في حال الحزن الذي قد يلمّ بحياتنا مرات كثيرة، فتضجّ الصدور بالهمّ، وتهتك ستر الصبر، وتلوك غمّها بين يدي العباد، ولربما غفلت عن رحمة رب العباد، وحُرمت حلاوة مناجاته، ولذة بث الشكوى إليه. وختاما، يطّرحُ سؤال في النفس: كم مرة قد كنتَ موضوع شكوى لله من قلب كسرته، أو عين أدمعتها، أو حق سلبته! اللهم لا تجعلنا بابًا لشكوى عبادك، واجعلنا بابا لشكر عبادك. آمين.

والله أعلم

____________

* أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية، جامعة الملك عبدالعزيز.

زر الذهاب إلى الأعلى

لإعلانك هنا ـ مربع

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com