رحلة الألم المزمن في عالم الدماغ

هبة الحبيب

 

قال أمير المؤمنين:

دَواؤُكَ فيكَ وَما تُبصِرُ

وَدَاؤُكَ مِنكَ وَما تَشعُرُ

أَتَزعُمُ أَنَّكَ جُرمٌ صَغير

وَفيكَ اِنطَوى العالَمُ الأَكبَرُ

الدماغ هو منظومة متكاملة معقدة التركيب لازال العلم يقف حائراً لفهم جميع خصائصه وآلية عمله، وخبايا ذاكرة الألم، وقد تكون بعض خبرات الألم الجسدية والعاطفية المخزنة في ذاكرة الألم وطريقة التفكير فيها هي سبب للآلام المزمنة التي يعاني منها البعض.

فقد وُجد بأن التعرض للاضطرابات النفسية والضغوطات والتوتر بشكل مستمر يساهم في حدوث بعض المشاكل الهيكلية والأمراض المناعية والعصبية في الجسم لما لها من تأثير على تحفيز مناطق الألم في الدماغ بشكل مستمر وتسبب اضطراب في إفراز الهرمونات والمواد الكيميائية خلال الناقلات العصبية في الجسم وقد تُغير في هيكلية مناطق الألم الحسية في الدماغ.

وبالتالي فمن الممكن لهذه التغيرات التي تحدث وتساهم في تغيير فيسيولوجية الألم وزيادة حساسيته بأن تورث للأبناء جينياً ليعانوا بذلك من نفس المشاكل الهيكلية، العصبية أو المناعية لدى الأهل التي سبب نشوؤها في الأصل بعض الاضطرابات النفسية والوجدانية.

حيثُ أُكتشف بأن هناك خلايا عصبية في الدماغ تتأثر فقط بالبرمجة الذاتية من الشخص فعلى سبيل المثال عند توقع الأسوء والقلق من المرض تزداد حساسيتها طرداً وعند توقع التحسن والتعافي تقل استثارتها عكساً وهي من الصفات القابلة للتوريث جينياً.

حيثُ من الخواص الدفاعية لهذه الخلايا مقدرتها على تصور جو من القلق قبل حدوث أي موقف معين عند برمجتها للأسوء فتلعب في العوامل البيولوجية للجسم فترفع من نبضات القلب، تزيد التعرق، تسبب ضيق في النفس استعداداً للمواجهة، وبناءً على ذلك فإن الدماغ ليس فقط يُرسل ويستقبل رسائل التنبيه بالألم بل لديه القدرة على تعديل سلوكيات، خصائص ومساحة الألم عن طريق البرمجة الذاتية لهذه الخلايا.

ولهذا فلابد من التعامل مع الضغوطات النفسية وعدم إهمالها ومراكمتها لما لها من الآثار السلبية على المستوى القريب والبعيد للأجيال القادمة.

كما لوحظ بأن بعض مناطق الألم في الدماغ كالماتريكس والثالامس والإنسولا المعروفة بـ ( Pain neuro matrix area ) بأنها مناطق مختصة بالآلام الجسدية والنفسية معاً، فمنطقة الإنسولا لها دور في الإدراك الحسي والعاطفي للألم.

منطقة الكورتكس تمثل الجانب العاطفي للألم من تعزيز محفزات الألم وتمييز مناطق الألم والذاكرة والعاطفة.

وقد لوحظ بأن الأشخاص الذين يعانون من آلام مزمنة مع ضغوطات نفسية قد تتغير لديهم خارطة الألم في الدماغ، فمنطقة الكورتكس يبدأ يتغير حجمها وتكون السيالات العصبية فيها بحالة مفرطة من النشاط بينما منطقة الثالامس يصغر حجمها وتستمر مفتوحة ونشطة وتقل فيها الناقلات العصبية المسؤولة عن تقليل حساسية الألم للعودة لمنطقة الراحة والتوازن.

ونتيجة لذلك قد يساهم هذا التغيير في التقليل من كفاءة نشاط المناطق الأخرى وقدرتها على أداء المهام بشكل عام في الدماغ وبذلك تتولد مشاعر الألم والقلق لدى المريض لأن مناطق الدماغ المسؤولة عن تنظيم إحساس الألم قد فقدت خصائصها المعتادة. ولهذا يُفضل أصحاب الألم المزمن العزلة وتجنب بعض النشاطات اليومية والعلاقات الاجتماعية.

وإن الدماغ لا يُفرق بين سبب الألم أهو مشاعر عاطفية أو مشاعر حسية جسدية فهو يتعامل مع كل أنواع الألم على أنها مصدر خطر وعلى الجسم حماية نفسه منها فيبدأ الدماغ بتعزيز نشاط الإشارات الحسية للإعلان عن وجود خطر محدق بالجسم فينتج عن ذلك شعور الألم وهو بمثابة التنبيه.

 ومن هذا المعطى فقد توصل بعض العلماء إلى أن هناك علاقة طردية وثيقة بين الألم الجسدي خصوصاً المزمن منه والألم العاطفي بسبب تشارك كلاهما في المنطقة المسؤولة عن الألم في الدماغ، وبالتالي فعند وجود مشاكل عاطفية وضغوطات نفسية يزيد الإحساس بالألم المزمن في الجسم تباعاً ويتحول حينها الألم المزمن نحو الجانب العاطفي من الألم والذي بدوره يلعب دوراً هاماً في إنتاج الألم فهو يساهم في استمرار مستويات الألم العالية أيضاً.

وبالتالي لايمكن الفصل بين خبرات الألم الجسدية الإدراكية والنفسية العاطفية السابقة في الدماغ حيثُ أن خبرات الألم الإدراكية تغير في شدة الألم بينما الخبرات العاطفية المؤلمة تُغير في مزاج الألم بدلاً من شدته.

وأظهرت الأبحاث بأن هناك نشاط واسع النطاق في مناطق الدماغ المسؤولة عن إدراك الألم الجسدي والعاطفي وإنتاجه وهذا قد يفسر الطبيعة الغريبة لانتشار الألم المزمن على مدى أوسع في الجسم.

كما إن الدماغ في حالة عمليات حيوية كيميائية مستمرة لإفراز الهرمونات حتى أثناء النوم، حيثُ في حالة الألم والقلق يبدأ الجسم بتحفيز النظام السيمبثاوي المسؤول عن إفراز هرمون الكورتيزول لمقاومة التوتر والاكتئاب والذي بدوره يحفز الإلتهابات ويرفع الجلوكوز في الدم ويُضعف مناعة الجسم لمقاومة الألم عند إفرازه بشكل مستمر، وجعل النظام السيمبثاوي يعمل طول الوقت، كما يُفرز هرمون الأدرنالين وهو هرمون الخوف المعروف بالكر والفر والذي زيادته تؤدي إلى ترسبه في الخلايا العضلية وقد يسبب آلام العضلات المزمنة.

وبهذا قد تكون أحياناً استمرار آلامنا وتعزيزها ماهي إلا نتيجة ما نفكر به لأن تفكيرك هو مرآتك التي تعكس ما بداخلك وقد قِيل قديماً: (كلُ متوقعٍ آت).

زر الذهاب إلى الأعلى

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com